المقالات

من إدارة الحدث إلى إدارة الاحتمال.. قراءة في كلمة مدير الأمن العام خلال مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ 2026»

في مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ 2026»، جاءت كلمة معالي مدير الأمن العام الفريق محمد بن عبدالله البسامي لتتجاوز الحديث التقليدي عن الأمن بوصفه استجابة للأحداث، وتقدم تصورًا أوسع لدور المنظومة الأمنية في بناء الدولة وحماية مستقبلها.
فالكلمة، في جوهرها، تربط بين تاريخ الدولة السعودية وتطور منظومتها الأمنية، وبين المستقبل الذي أصبحت فيه الوقاية والاستشراف والتقنية والبيانات عناصر أساسية في صناعة الأمن
الأمن.. جزء من قصة بناء الدولة
من أبرز الأفكار التي حضرت في الكلمة النظر إلى الأمن باعتباره مكوّنًا أصيلًا من مكونات بناء الدولة.
فالدولة لا تقوم على الجغرافيا وحدها، بل تحتاج إلى نظام يحكم، ومؤسسات تحمي، وأمن يجعل المواطن يعيش معنى الدولة في حياته اليومية؛ في ماله وطريقه ومستقبله.
ومن هنا يصبح تاريخ الأمن جزءًا من تاريخ الدولة نفسها، وليس مجرد تاريخ لقطاعات أو أجهزة أمنية.
وهذه النظرة مهمة؛ لأنها تنقل مفهوم الأمن من كونه وظيفة محددة إلى كونه أحد الأعمدة التي تستند إليها الدولة في استقرارها وتنميتها واستدامة مكتسباتها.
من حفظ الخبرة إلى صناعة المعرفة
ومن اللافت في طرح الفريق البسامي حديثه عن تطور العمل الأمني من مرحلة تراكم الخبرات إلى منظومة أكثر مؤسسية تعتمد على التدريب والإجراءات والمعرفة المتراكمة.
وهذا التحول يعني أن التجربة الأمنية لم تعد تعتمد على خبرة الأفراد وحدها، وإنما أصبحت المعرفة تُبنى داخل المؤسسة، وتنتقل من جيل إلى جيل، وتتطور مع كل تجربة وموقف.
وهنا تظهر قيمة المؤسسة الأمنية الحديثة: أن تتعلم من الحدث، وأن تحول الخبرة إلى معرفة، والمعرفة إلى إجراء، والإجراء إلى قدرة مؤسسية.
التحول الأهم: من إدارة الحدث إلى إدارة الاحتمال
ربما كانت هذه الفكرة من أبرز الرسائل المستقبلية في الكلمة.
فالعمل الأمني، وفق هذا التصور، لم يعد ينتظر وقوع الخطر ثم يبدأ في التعامل معه، بل يتجه إلى استشعار الاحتمالات وتحليل المؤشرات وبناء القدرة على التدخل قبل تحول الخطر إلى واقع.
وهنا يتغير السؤال الأمني من:
ماذا حدث؟
إلى:
ماذا يمكن أن يحدث؟ وأين؟ ولماذا؟
وهذا تحول عميق في فلسفة العمل الأمني؛ لأن النجاح لا يُقاس فقط بسرعة التعامل مع الجريمة بعد وقوعها، وإنما كذلك بالقدرة على منعها من الوقوع أصلًا.
ولهذا تحدث مدير الأمن العام عن الانتقال نحو قياس المؤشرات الاستباقية والوقاية من الجريمة، في إطار تطوير القدرات الأمنية وتوجيهها نحو المستقبل.
التقنية ليست البديل عن رجل الأمن
رغم الحضور الواضح للتقنية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في الرؤية المستقبلية، فإن الكلمة لم تجعل التقنية بديلاً عن الإنسان.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
فالتقنية تستطيع أن تعرض الصورة، والبيانات تستطيع أن تكشف الأنماط، والأنظمة تستطيع أن تحدد الإجراءات؛ لكن رجل الأمن هو الذي يقرأ الموقف ويتحمل مسؤولية القرار.
وبذلك تصبح التقنية أداة لرفع قدرة رجل الأمن، لا لإلغاء دوره.
وهذا التوازن بين التقنية والإنسان ربما يمثل أحد أهم تحديات الأمن في المستقبل: كيف نستفيد من الذكاء الاصطناعي والبيانات دون أن نفقد الحكم البشري والمسؤولية والقدرة على تقدير الموقف؟
رجل الأمن.. صرامة النظام وإنسانية الخدمة
ومن أجمل أبعاد الكلمة أنها لم تختزل رجل الأمن في تطبيق النظام.
خصوصًا في خدمة ضيوف الرحمن، حيث يجتمع في الموقف الأمني أكثر من بُعد في اللحظة نفسها.
فرجل الأمن يمنع المخالفة، لكنه في الوقت ذاته يرشد التائه، ويساعد الكبير، ويوجه الحاج، ويحافظ على قدسية المكان.
وهذا يعكس مفهومًا متقدمًا للأمن:
فالأمن ليس فقط منع الخطر، بل حماية الإنسان وخدمته وصيانة كرامته.
ومن هنا تتكامل صرامة النظام مع إنسانية الخدمة.
الأمن والتنمية.. علاقة شراكة
الرسالة الأخرى المهمة في الكلمة هي أن الأمن لم يعد منفصلًا عن التنمية.
فمع اتساع المشروعات الكبرى، ونمو السياحة والفعاليات، والاقتصاد الرقمي، والتحول الوطني، ترتفع في المقابل المتطلبات الأمنية.
ولهذا فإن الأمن لا يأتي في نهاية مشروع التنمية ليحمي ما تم إنجازه، بل أصبح شريكًا في تمكين التنمية منذ بدايتها.
وهذه الرؤية تتفق مع طبيعة المرحلة التي تعيشها المملكة؛ فكلما اتسعت حركة الاقتصاد والمجتمع والسياحة والاستثمار، أصبح الأمن عنصرًا أساسيًا في استمرار هذا الحراك وثقة الإنسان والمستثمر والزائر.
التكامل بين القطاعات
أشارت الكلمة كذلك إلى أن التخصص الأمني يمنح كل قطاع خبرته العميقة، لكنه في الوقت نفسه يزيد الحاجة إلى التكامل.
فالحدث الأمني الواحد قد تكون له أبعاد متعددة، ولا يمكن لقطاع واحد أن يرى الصورة كاملة بمفرده.
ومن هنا تأتي أهمية التشغيلية الأمنية المشتركة وتوحيد الصورة وتنسيق الجهود وتبادل المعلومات؛ بحيث لا تعمل القطاعات كجزر منفصلة، وإنما كمنظومة واحدة لها هدف واحد.
الخلاصة
يمكن قراءة كلمة مدير الأمن العام على أنها رسالة عن تحول مفهوم الأمن السعودي من الاستجابة إلى الاستباق، ومن إدارة الحدث إلى إدارة الاحتمال، ومن التعامل مع المشكلة إلى فهم أسبابها ومنع تكرارها.
وهي في الوقت ذاته قراءة لتطور الدولة نفسها؛ فكما انتقلت المملكة خلال تاريخها من مراحل التأسيس إلى بناء المؤسسات ثم إلى التحول والتنمية الشاملة، فإن منظومتها الأمنية تنتقل كذلك إلى مرحلة جديدة عنوانها: الاستشراف، والبيانات، والتكامل، والوقاية، والإنسان.
ولعل العبارة الأبرز التي تختصر فلسفة الكلمة هي أن الأمن في دولة تتطلع إلى مستقبل واسع لا يمكن أن يكون مجرد حارس لهذا المستقبل، بل يصبح شريكًا في صناعته.
وهنا تكمن أهمية الربط بين «الأمن» و«التاريخ» في المؤتمر:
ففهم كيف بُني الأمن في الماضي يساعد على فهم كيف ينبغي أن يتطور في المستقبل.
إنها ليست مجرد قصة أجهزة أمنية تطورت تقنيًا، وإنما قصة دولة تطور مفهوم أمنها بالتوازي مع تطور احتياجات مجتمعها وطموحاتها الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى