لم تكن قصيدة «إلى الأمير الدمشقي توفيق قباني» مجرد قصيدة رثاء، بل كانت صرخة أبٍ مكلوم حاول أن يستعين باللغة على ألمٍ أكبر من اللغة نفسها. فقد رحل توفيق قباني، نجل الشاعر نزار قباني، وهو في ريعان شبابه، فترك رحيله جرحًا عميقًا في قلب أبيه، الذي وجد نفسه أمام مأساة لا تستطيع الكلمات أن تحتويها.
وُلد توفيق قباني لنزار قباني من ابنة عمه زهراء، وكان طالبًا في كلية الطب بجامعة القاهرة. وقد توفي شابًا في نحو الحادية والعشرين من عمره إثر أزمة قلبية. وكان وقع الفاجعة على نزار شديدًا، حتى أوصى، بحسب ما تروى سيرته، بأن يُدفن إلى جوار ابنه بعد وفاته.
في قصيدته الشهيرة، التي حملت عنوان «إلى الأمير الدمشقي توفيق قباني»، يتحول الحزن إلى لغة شعرية آسرة؛ فيبدو الأب عاجزًا عن الكتابة، لأن الفقد أفقد الكلمات قدرتها على التعبير، ثم يستعيد صوته شيئًا فشيئًا ليقدم ابنه إلى العالم كما عرفه: جميلًا، حالمًا، محبًا للحياة والطبيعة.
ومن أجمل أبيات القصيدة:
مُكَسَّرَةٌ كَجُفُونِ أَبِيكَ هِيَ الْكَلِمَاتُ..
وَمَقْصُوصَةٌ، كَجَنَاحِ أَبِيكَ، هِيَ الْمُفْرَدَاتُ.
فَكَيْفَ يُغَنِّي الْمُغَنِّي؟
وَقَدْ مَلَأَ الدَّمْعُ كُلَّ الدَّوَاةِ!
وَمَاذَا سَأَكْتُبُ يَا بُنَيَّ؟
وَمَوْتُكَ أَلْغَى جَمِيعَ اللُّغَاتِ..
لِأَيِّ سَمَاءٍ نَمُدُّ يَدَيْنَا؟
وَلَا أَحَدٌ فِي شَوَارِعِ لَنْدَنَ يَبْكِي عَلَيْنَا!
سَأُخْبِرُكُمْ عَنْ أَمِيرِي الْجَمِيلِ،
مِثْلَ السَّنَابِلِ طُولًا..
وَمِثْلَ النَّخِيلِ..
وَكَانَ صَدِيقَ الْخِرَافِ الصَّغِيرَةِ،
كَانَ صَدِيقَ الْعَصَافِيرِ،
كَانَ صَدِيقَ الْهَدِيلِ..
سَأُخْبِرُكُمْ عَنْ بَنَفْسَجِ عَيْنَيْهِ..
هَلْ تَعْرِفُونَ زُجَاجَ الْكَنَائِسِ؟
هَلْ تَعْرِفُونَ دُمُوعَ الثُّرَيَّاتِ حِينَ تَسِيلُ؟
وَهَلْ تَعْرِفُونَ نَوَافِيرَ رُومَا؟
وَحُزْنَ الْمَرَاكِبِ قَبْلَ الرَّحِيلِ؟
إِنَّ الْأَمِيرَ الْخُرَافِيَّ تَوْفِيقَ مَاتَ!
وَإِنَّ الْجَبِينَ الْمُسَافِرَ بَيْنَ الْكَوَاكِبِ مَاتَ..
وَأَنَّ الَّذِي كَانَ يَقْطِفُ مِنْ شَجَرِ الشَّمْسِ مَاتَ..
وَأَنَّ الَّذِي كَانَ يَخْزُنُ مَاءَ الْبِحَارِ بِعَيْنَيْهِ مَاتَ..
فَمَوْتُكَ يَا وَلَدِي نُكْتَةٌ..
وَقَدْ يُصْبِحُ الْمَوْتُ أَقْسَى النُّكَاتِ!
تظل هذه القصيدة من أكثر نصوص نزار قباني صدقًا وألمًا؛ ففيها يبتعد الشاعر عن الحب والغزل اللذين اشتهر بهما، ليقف أبًا منكسرًا أمام موت ابنه. وهنا تكتسب الكلمات قوتها من عجزها: فحين يعجز الإنسان عن احتمال الفقد، يصبح الشعر محاولة أخيرة لاحتضان الغائب، واستبقاء ملامحه حيّة في الذاكرة.

