ليست مكة المكرمة مدينةً يسكنها التاريخ فحسب، بل مدينةٌ يصنع التاريخُ فيها ذاكرته كل يوم. فمن رحاب المسجد الحرام انطلقت أنوار العلم، وعلى أعتابها تلاقت الثقافات والأفكار، وفي أحيائها نشأت مبادراتٌ طبعت صفحاتٍ مضيئة في مسيرة المعرفة والإعلام. ومن هنا كان للصحافة المكية حضورٌ مبكر، جعل أمَّ القرى واحدةً من أبرز المنارات الصحفية والثقافية في الجزيرة العربية.
لمكةَ المكرمة مع الصحافة تاريخٌ عريق، لا تكاد تُجاريها فيه مدينةٌ أخرى من مدن هذا الوطن الغالي؛ فقد كانت من أوائل المدن التي احتضنت الطباعة والصحافة، وأسهمت في تشكيل الوعي الثقافي والفكري في البلاد.
ففي أواخر القرن التاسع عشر أُنشئت في مكة أول مطبعة في الحجاز، وثاني مطبعة عُرفت في جزيرة العرب بعد مطبعة صنعاء. ثم ما لبثت أن ظهرت الصحافة، فكانت صحيفة «حجاز» من أوائل الصحف التي صدرت في مكة، وتلتها صحيفة «القبلة»، وغيرها من الصحف والدوريات التي أسهمت في إثراء الحياة العامة.
وحين توحّدت هذه البلاد المباركة، أصدر الملك عبدالعزيز -رحمه الله- صحيفة «أم القرى» من مكة المكرمة، لتصبح الصحيفة الرسمية للدولة، ولتحتل مكانةً راسخة في تاريخ الصحافة السعودية. ثم تتابعت الصحف المكية، ومنها: «الحرم»، و«صوت الحجاز»، و«حراء»، و«الندوة»، إلى جانب عدد من المجلات والدوريات، مثل: «قريش»، ومجلة «رابطة العالم الإسلامي»، و«التضامن الإسلامي».
ومع انتقال الصحافة إلى العصر الرقمي، واصلت مكة حضورها في المشهد الإعلامي من خلال الصحف الإلكترونية، ومن أبرزها «صحيفة مكة الإلكترونية»، التي انطلقت في شهر رجب 1430هـ الموافق 2009م، وكانت من أوائل الصحف الإلكترونية المرخّصة في المملكة. وقد أولت منذ انطلاقتها اهتمامًا واسعًا بأخبار مكة المكرمة وشؤونها الاجتماعية والثقافية والإعلامية والرياضية، لتكون امتدادًا معاصرًا لذلك الإرث الصحفي الذي عُرفت به أم القرى.
ومن الطريف أن أول صحيفة رياضية في المملكة صدرت من مكة المكرمة؛ وهي صحيفة «الرياضة» التي صدر عددها الأول سنة 1380هـ، في دلالة أخرى على تنوع المشهد الصحفي المكي واتساع اهتمامه بمختلف مجالات الحياة.
وهكذا تبدو الصحافة المكية جزءًا أصيلًا من ذاكرة أم القرى الثقافية؛ فقد كانت صفحاتها منابر للعلم والفكر والثقافة والأدب، ومجالًا رحبًا التقى فيه العلماء والأدباء والمثقفون، وأسهموا في تشكيل الوعي العام وصياغة ملامح النهضة الحديثة في البلاد، ثم انتقلت هذه الرسالة إلى الفضاء الرقمي لتواصل الكلمة المكية حضورها وتأثيرها.
إن تاريخ الصحافة في مكة ليس مجرد سجلٍّ لأسماء صحفٍ ومجلاتٍ وتعاقب سنوات، بل هو فصلٌ من فصول النهضة الثقافية والفكرية في وطنٍ عزيز. ولذلك يحق لأهل مكة أن يفخروا بهذا الإرث الصحفي والأدبي، وأن يحافظوا عليه بوصفه ذاكرةً حيةً تحكي كيف كانت أم القرى منارةً للعلم، ومنبرًا للفكر، وحاضنةً للكلمة. فهنيئًا لمكة هذا المجد، وهنيئًا لأهلها إرثٌ صنعته الأقلام، وحفظته صفحات التاريخ، وتواصل اليوم في رحاب الصحافة الإلكترونية.

