المقالات

في فلسفة الأخلاق.

ليس من مجتمع إلّا وله قيود أخلاقيّة، وتختلف تلك القيود باختلاف معتقدات المجتمعات ورؤاها الفلسفيّة.
والمجتمع الغربيّ ليست قيوده الأخلاقيّة راجعة إلى مصدر إلهيّ كما في الكتب السماويّة، ولكنّها تخضع للمقولات الفلسفيّة من جهة، وللواقع السلوكيّ البشريّ من جهة أخرى.
فالفلسفة الوضعيّة لديها تصوّرات عن القيم المثاليّة، وتفسيرات للسلوك الإنسانيّ الذي تحكمه العاطفة من جهة والعقل من جهة أخرى.
ولذلك فمجموع تلك القيود لا ينهض بحقيقة القيم المثاليّة المرتضاة عند جميع أفراد المجتمع. وقد لاحظ هذا إيمانويل كانط، إذ يرى أنّه لابدّ من قوّة عليا تحكم تلك القيود، وتضع القيم المناسبة بين تحقيق اللذّة ودفع الألم على مستوى الفرد، وتحقيق المنفعة المشتركة ودفع الضرر على مستوى الجمع.
ولكنّ النظرة النسبيّة لكلّ ما يكتسبه العقل جعلت الأخلاق تخضع للنسبيّة كما يخضع غيرها من المعرفة البشريّة.
وبالرغم من توصّل العقل الغربيّ إلى تلك الرؤية الأخلاقيّة؛ فإنّه لم يتشكّل في ذلك المجتمع قيم عليا سوى تلك القيم التي يفرضها الواقع الإنسانيّ، لما يكتنف العمل الأخلاقيّ من غموض في مصدره ومرجعيته خاصّة أنّ الفلسفة الأخلاقيّة استبعدت ماوراء الطبيعة من الغيبيّات التي يرون ضرورة أقصائها والاعتماد على التجربة، والتجربة هي وليدة السلوك الإنسانيّ.
وأمّا الأخلاق الإسلاميّة فالدين كلّه أخلاق حسنة، ولذلك نجد المثاليّات الأخلاقيّة والفضائل مرتبطة بالنصّ الشرعيّ، فالصدق، والعدل، والأمانة، والوفاء، والعفّة، والرحمة، والكرم، والشجاعة، ممّا ينصّ عليه الدليل الشرعيّ من الوحيين.
وقد يسال سائل عن قول النبيّ ﷺ:(إنّما بعثت لأتمّم صالح الأخلاق) لأنّ الحديث يدلّ على أنّ المجتمع قبل الإسلام كان لديه أخلاق صالحة.
فالواقع أنّ المجتمع العربيّ قبل الإسلام كانت لديه مثاليّات أخلاقيّة حسنة، وهي من بقايا الحنفيّة التي هي دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
فإبراهيم كان صادقا كما يصفه القرآن، وكان جوادًا يكرم الضيف، وكان رحيما، وكان شجاعًا فقد حطّم الأصنام ولم يخش من قوّة قومه وجبروت كفرهم، وكان غيورًا، وكان وفيّا.
وهذه الأخلاق الكريمة حافظ عليها العرب بعد إسماعيل، فهي من بقايا الدين الحنيف، وليست من مبتكرات العقل الجاهليّ.
فبعثة النبيّ ﷺ بالإسلام نقلت هذه الأخلاق الحسنة من كونها عادة قبليّة مجتمعيّة إلى كونها فعلا تعبّديّا مرتبطًا بالثواب والعقاب.
بل إنّ معظم الأخلاق الإسلاميّة مرتبطة بالإيمان مثل الصدق، والأمانة.
فالمجتمع الإسلاميّ لديه مكتسبات أخلاقيّة إيمانيّة هي في ذاتها تعاليم شرعيّة، وهي أيضًا مصالح جمعيّة وفرديّة.
فالقيد الأخلاقيّ مثل العفّة عن المحرّمات فيه مصلحة عامّة وحماية مجتمعيّة، وسلامة فرديّة، ولو تركت هذه الفضيلة للاختيار الفرديّ لأدّى ذلك إلى فساد اجتماعيّ عريض، لغلبة الشهوات النفسيّة أحيانًا.
وتسمية الأخلاق الحسنة قيودًا ليس فيه مأخذ، لأنّ العقل نفسه مأخوذ من القيد، والضبط، وهو ضدّ الانفلات والإهمال.
والمسلمون يرجعون في ذلك إلى الاعتقاد، والمقولات العقديّة، فالسنّة يرون أنّ الأخلاق مرجعها ما استحسنه الشرع، ولابد أن يوافقه العقل المستقيم. والمعتزلة ترى أنّ الأخلاق هو ما حسّنه العقل قبل الشرع.
فالخيانة عند المعتزلة -مثلا -ينبذها العقل قبل أن يعرّفها له الدليل الشرعيّ.
وعند السنّة لا تكتسب الأمانة فضيلتها إلّا لأنّ الشرع حسّنها حتّى لو كان العقل استحسنها فإنّ فضيلتها ليست في تحسين العقل لها، بل في كونها من تشريع الشارع الحكيم.
وفائدة الرؤية السنّيّة هذه أنّ الأخلاق والفضائل تكتسب صفة الدوام، فلا تغيّرها المآزق التي تمرّ على الإنسان لأنّه يرجع الفضيلة إلى أمر شرعيّ لا يستطيع أن يخالفه.
وأمّا حين تحتكم الفضيلة إلى العقل كما عند المعتزلة فإنّها قد تتراجع في لحظة الضعف البشريّ الذي يطرأ على النفس أحيانًا.!

أ. د. ظافر العمري

أكاديميّ وشاعر سعوديّ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى