كتاب الرأي

العربية والذكاء الاصطناعي.. من يعلّم من؟

اللغة وعاء الفكر، وجزء أصيل من هوية الإنسان وثقافته وتاريخه. واللغة العربية، بما تحمله من إرث حضاري وعلمي وأدبي، ليست بعيدة عن التحولات الكبيرة التي يحدثها الذكاء الاصطناعي في حياتنا.

ولا شك أن هذه التقنية يمكن أن تقدم خدمات عظيمة للعربية في التعليم والترجمة والبحث والتدقيق وصناعة المحتوى. لكن السؤال الأهم هو: هل نعلّم الآلة لغتنا العربية الصحيحة، أم يأتي يوم يتعلم فيه أبناؤنا العربية من الآلة كما صاغتها هي؟

وتبدأ المسؤولية من البيت والمدرسة والجامعة؛ فالطالب الذي لم يكوّن حصيلة لغوية جيدة، ولم يعتد القراءة والكتابة، قد يتعامل مع كل ما تنتجه الآلة على أنه صحيح، من دون أن يملك القدرة على التمييز بين الفصيح والركيك، أو بين التعبير العربي السليم والترجمة الحرفية.

وتزداد أهمية الأمر مع الانتشار الواسع للمحتوى المترجم آلياً في وسائل التواصل الاجتماعي. فقد تكون الكلمات عربية، لكن تركيب الجملة ليس عربياً، أو يكون المعنى منقولاً بطريقة لا تنسجم مع روح اللغة وأساليبها. ومع التكرار قد يصبح التعبير الغريب مألوفاً، ثم يتحول المألوف إلى استعمال، وهنا قد تنشأ تدريجياً ما يمكن أن نسميه (العربية الرقمية الهجينة)؛ عربية في ألفاظها، لكنها تحمل تراكيب لغات أخرى.

ولا يعني ذلك التخوف من التقنية أو مقاومتها؛ بل المطلوب أن نجعل الذكاء الاصطناعي جزءاً من الحل، وأن نبني محتوى عربياً رصيناً، وبيانات لغوية موثوقة.

ومن الإنصاف هنا أن نشيد بالجهود الكبيرة التي تبذلها المملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده (حفظهما الله)، في بناء منظومة وطنية متقدمة للذكاء الاصطناعي وخدمة اللغة العربية. فقد أسهمت (سدايا) في تطوير القدرات الوطنية في هذا المجال، وجاء إطلاق شركة (هيوماين)، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، خطوةً مهمة لتعزيز مكانة المملكة في الذكاء الاصطناعي وتطوير النماذج والتطبيقات العربية، ومن ذلك نموذج (علّا) وتطبيق HUMAIN Chat.

ويضاف إلى ذلك الدور المهم الذي يقوم به مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، من خلال مبادراته في تقنيات اللغة العربية والذكاء الاصطناعي، ومنها مركز ذكاء العربية ومؤشر (بَلْسَم) لتقييم أداء النماذج اللغوية العربية. وهي جهود وطنية مهمة تستحق التقدير والدعم.

لكن التقنية وحدها لا تكفي؛ فالمسؤولية تبدأ من التعليم، وتعزيز القراءة والكتابة والتعبير منذ الصغر، وأن يتعلم أبناؤنا استخدام الذكاء الاصطناعي دون أن يفقدوا قدرتهم على التفكير والكتابة بلغتهم بأنفسهم.

لقد أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً، وسيكون جزءاً أكبر من حياة الأجيال القادمة. ولذلك لم يعد السؤال: هل نستخدمه؟ بل: كيف نجعله يتعلم العربية الصحيحة منا قبل أن يتعلم أبناؤنا العربية منه؟

نريد ذكاءً اصطناعياً يخدم لغتنا، وينشرها، ويساعد أبناءنا على إتقانها؛ لا أن يعيد تشكيلها بعيداً عن أصولها وروحها.

فالآلة تستطيع أن تخدم لغتنا… لكنها لا ينبغي أن تعيد تشكيلها نيابةً عنا.

أ.د. عوض بن خزيم الأسمري

رئيس جامعة شقراء، عضو مجلس الشورى السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى