المقالات

الأمن حين يصنع التاريخ

على مدى ثلاثة أيام، من 6 إلى 8 سبتمبر 2026م، حضرت «مؤتمر حوار الأمن والتاريخ 2026»، وهو حراك فكري وثقافي جمع تحت مظلته موضوعات امتدت من العمق الحضاري والأثري للمملكة إلى تاريخ الدولة السعودية، والهوية والمواطنة والتنمية والأمن بمفاهيمه المعاصرة. وقد عكس تنوع الجلسات والمتحدثين جهدًا تنظيميًا واضحًا، ورغبة في فتح مساحات للحوار بين التاريخ وقضايا المجتمع والدولة والمستقبل.

حضرت المؤتمر وأنا على يقين بأهمية موضوعه؛ فالعلاقة بين الأمن والتاريخ ليست علاقة عارضة، بل تكشفها تجارب المجتمعات والدول عبر العصور. فحيث يستقر الأمن يزدهر العمران، وتنشط التجارة، وتترسخ المؤسسات، وتُحفظ الشواهد والوثائق، وتتراكم الذاكرة التاريخية. ومن هنا فالأمن لا يحفظ منجزات التاريخ فحسب، بل يهيئ البيئة التي يُصنع فيها التاريخ.

وقد نجحت جلسات عدة في استحضار هذه العلاقة، وتنوعت موضوعاتها بين التاريخ السعودي وجذوره ومصادره، وعمق مورثه الحضاري ، والهوية والمواطنة، والأمن والسلم في تاريخ السياسة السعودية، ودور المواطن تاريخيًا في صون الاستقرار، إلى جانب رؤية الملك المؤسس عبدالعزيز وملوك المملكة للإنسان والأمن. وهذا التنوع منح المؤتمر بعدًا معرفيًا مهمًا، وأتاح قراءة الأمن في سياقه التاريخي والحضاري، لا بوصفه قضية معاصرة فحسب.

غير أن اتساع المحاور صاحبه تفاوت في مستوى الالتزام بها؛ فغلب على بعض الطروحات تناول الأمن في واقعه المعاصر حتى تراجع البعد التاريخي، بينما ابتعدت مداخلات أخرى عن موضوع المؤتمر، أو لم تُحكم الصلة بين طرفي عنوانه: الأمن والتاريخ. وهذه الملاحظة لا تنتقص من قيمة المؤتمر أو نجاحه، بقدر ما تؤكد أهمية أن يظل المحور الرئيس خيطًا ناظمًا للمداخلات، ولا سيما في مؤتمر يقوم عنوانه على الجمع بين مجالين يفترض أن يكشف الحوار عن عمق الصلة بينهما.

وتبرز تجربة الملك عبدالعزيز مثالًا واضحًا على هذه العلاقة؛ فتوحيد البلاد لم يكن مجرد تحول سياسي وجغرافي، بل اقترن ببسط الأمن وترسيخ الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة. ومع استقرار المكان، أُتيح للإنسان أن يتحرك، وللتجارة أن تنشط، وللعمران أن يمتد، وللدولة أن تبني مؤسساتها؛ ليغدو الأمن أحد مقومات البناء والاستمرار.

ويستدعي ذلك إلى ذهن المؤرخ، مع اختلاف الأزمنة والسياقات، ما عُرف بـالسلام الروماني (Pax Romana)، الذي يؤرَّخ لبدايته عادة بعام 27 ق.م، مع بداية حكم الإمبراطور أغسطس، وافتتح مرحلة طويلة من الاستقرار النسبي في الإمبراطورية الرومانية، انعكس أثرها على الطرق والتجارة والمدن والإدارة والحياة الحضارية. والمقارنة هنا ليست بين تجربتين مختلفتين في ظروفهما التاريخية، وإنما في الدلالة التي تتكرر عبر التاريخ: حين يستقر الأمن تتسع مساحة البناء والعمران، وتزداد قدرة المجتمعات على صناعة تاريخها وحفظ شواهده.

ولعل من أهم ما يخرج به المتابع من «حوار الأمن والتاريخ» أن استحضار التاريخ في مناقشة قضايا الأمن والهوية والتنمية ليس استدعاءً للماضي من أجل الماضي، وإنما قراءة للتجربة الإنسانية لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. لذلك فإن استمرار مثل هذه اللقاءات يمثل إضافة للحراك الفكري والثقافي، مع أهمية منح التاريخ، بوصفه علمًا ومنهجًا وشاهدًا، حضورًا أعمق في بناء المحاور واختيار المداخلات.

فالأمن لا يحمي الحاضر وحده، بل يهيئ البيئة التي يُصنع فيها التاريخ؛ وحين يستقر المكان تبدأ حكاية العمران والدولة والذاكرة.

أ.د فتحية بنت حسين عقاب

استاذة التاريخ القديم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى