المقالات

المواقف السياسية وتضارب المصالح

تكشف قراءة التاريخ السياسي أن مواقف الدول وتحالفاتها تتغير بتغير المصالح والظروف وموازين القوى، وهو ما تعبر عنه القاعدة السياسية الشهيرة: لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة، وإنما مصالح دائمة.

وتقدم القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي مثالًا واضحًا على ذلك. فقد أسهمت بريطانيا منذ وعد بلفور عام 1917م، ثم خلال فترة الانتداب على فلسطين، في تهيئة الظروف السياسية التي مهدت لقيام إسرائيل. وعندما قامت إسرائيل عام 1948م أيدت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي قيامها رغم الخصومة بينهما، ووصل إلى إسرائيل دعم عسكري مهم من تشيكوسلوفاكيا الواقعة ضمن المعسكر السوفيتي.

وبعد ثماني سنوات فقط تغيرت المواقف بصورة لافتة. ففي العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م أصبحت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في خندق واحد ضد مصر، بينما وقفت الولايات المتحدة ضد العدوان وضغطت على حلفائها للانسحاب. وقد ارتبط الموقف الأمريكي بمصالح متعددة، منها الحد من النفوذ السوفيتي، وكسب موقع أقوى في المنطقة، والابتعاد عن صورة الاستعمار الأوروبي. وكشفت الأزمة في الوقت نفسه عن تراجع الدور الإمبراطوري البريطاني وصعود الولايات المتحدة إلى موقع القيادة الأبرز في المعسكر الغربي.

وفي 1967م ازداد التقارب الأمريكي مع إسرائيل، مقابل دعم سوفيتي لمصر وسوريا، ثم بلغ الاستقطاب ذروته في حرب أكتوبر 1973م؛ إذ دعمت الولايات المتحدة إسرائيل عسكريًا، بينما دعم الاتحاد السوفيتي مصر وسوريا، واستخدم العرب النفط أداةً للضغط على الدول المؤيدة لإسرائيل.

ويقدم تاريخ الدولة العثمانية، الدولة التى ترى نفسها حامية للحرمين وللمسلمين في عصرها، نموذجًا أسبق للفكرة نفسها. فعلى الرغم من تاريخ طويل من الصراع بينها وبين القوى الأوروبية، وقفت بريطانيا وفرنسا إلى جانبها ضد روسيا في حرب القرم (1853–1856م) عندما أصبح التوسع الروسي مهددًا لمصالحهما ولتوازن القوى في أوروبا. ثم تغيرت المصالح، فأصبحت بريطانيا وفرنسا بعد نحو ستة عقود ضمن المعسكر الذي حارب الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وأسهم انتصاره في هزيمتها وتفكيك جانب واسع من ممتلكاتها.

وهكذا تتغير مواقع الدول بين التأييد والمواجهة تبعًا لتغير الظروف والمصالح؛ فبريطانيا التي مهدت سياساتها لقيام إسرائيل أصبحت معها في حرب 1956، والولايات المتحدة التي ساندت قيام إسرائيل وقفت ضدها وضد حلفائها في تلك الحرب، ثم عادت لتصبح الداعم الأكبر لها في حرب 1973. وبريطانيا وفرنسا اللتان دافعتا عن الدولة العثمانية في حرب القرم أصبحتا من خصومها في الحرب العالمية الأولى.

وتلك هي إحدى أهم قواعد قراءة التاريخ السياسي: لا يكفي أن نسأل: من وقف مع من؟ وإنما ينبغي أن نسأل: ما المصلحة التي جعلته يقف معه في ذلك الوقت؟

د. صالح بن مخضور السلمي

 باحث في التاريخ الحديث والمعاصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى