المقالات

الدبلومات المتوسطة الجامعية: بين التوسع الكمي وضعف الجودة

تشهد برامج الدبلوم الإلكتروني والتعليم عن بُعد في المملكة العربية السعودية توسعًا متسارعًا، الأمر الذي يستدعي مراجعة جادة لضمان ألا يكون التوسع على حساب جودة التعليم. وقد تلجأ بعض الجامعات إلى شركات خاصة لتقديم خدمات تشغيلية لهذه البرامج، وهذا بحد ذاته ليس مشكلة، لكن الإشكالية تظهر عندما تصبح الأولوية لزيادة عدد البرامج والطلاب، بدلًا من الاستثمار في جودة المحتوى والتدريس والتقييم.

التعليم عن بُعد لا يعد مشكلة في حد ذاته؛ بل يوفر فرصة مهمة للموظفين والعاملين والأشخاص الذين لا يستطيعون ترك وظائفهم للالتحاق بالدراسة التقليدية. كما أن التعاون بين الجامعات والقطاع الخاص يمكن أن يسهم في تطوير المنصات والخدمات التعليمية. ومع ذلك، يجب أن تبقى الجامعة مسؤولة بصورة مباشرة عن العناصر الأكاديمية الأساسية، مثل تصميم المقررات، واختيار أعضاء هيئة التدريس، وآليات التقييم، ومخرجات التعلم. ويمكن إسناد الأعمال التقنية والإدارية، مثل تشغيل المنصة الإلكترونية والتسجيل وخدمة الطلاب، إلى جهات متخصصة، لكن المسؤولية الأكاديمية وجودة التعليم يجب أن تبقيا تحت إشراف الجامعة.

وهنا تبرز مسألة أكثر أهمية، وهي مدى موثوقية الجهات التشغيلية التي تتولى تنفيذ هذه البرامج، ومدى توافق ممارساتها مع الأنظمة واللوائح المنظمة للعمل الأكاديمي. فالجامعة تحصل على الاعتمادات الأكاديمية والبرامجية، وتتحمل أمام المجتمع والجهات التنظيمية مسؤولية المستوى العلمي للبرنامج ومخرجاته، ثم قد يُسند جزء كبير من التنفيذ إلى شركة تشغيلية يكون هدفها الأساسي تجاريًا وربحيًا. وهنا يبرز تساؤل مشروع: كيف يمكن ضمان ألا تتحول الاعتبارات التجارية إلى عامل مؤثر في جودة العملية التعليمية أو في اختيار الكفاءات الأكاديمية وآليات الاستعانة بها؟

وتزداد حساسية هذه المسألة عندما تتولى بعض الجهات التشغيلية التفاوض مباشرة مع أعضاء هيئة التدريس لتقديم المقررات، في ظل عروض مالية متدنية لا تتناسب بالضرورة مع طبيعة العمل الأكاديمي وحجمه ومسؤولياته، بل قد تصل في بعض الحالات إلى مساومات على قيمة الساعة التدريسية بمبالغ زهيدة. وإذا كانت هذه الممارسات تتم خارج الأطر واللوائح المنظمة لشؤون أعضاء هيئة التدريس، فإن الأمر لا يعود مجرد خلاف حول المقابل المالي، وإنما يصبح قضية تتعلق بحوكمة البرامج وجودة التعليم وحماية الحقوق الأكاديمية والمهنية لأعضاء هيئة التدريس.

فالاستعانة بشركة تشغيلية لا ينبغي أن تعني بأي حال من الأحوال أن تصبح العلاقة مع عضو هيئة التدريس علاقة تجارية منفصلة عن الأنظمة واللوائح الأكاديمية المعمول بها في الجامعة. كما لا ينبغي أن يكون خفض تكلفة الساعة التدريسية هو المعيار الذي تُبنى عليه عملية اختيار المدرسين أو تشغيل المقررات؛ لأن تقليل التكلفة على حساب الكفاءة الأكاديمية قد ينعكس بصورة مباشرة على مستوى التعليم ومخرجات البرنامج.

وفي السياق السعودي، لا ينبغي أن يكون حصول البرنامج على الاعتماد أو الترخيص هو المؤشر الوحيد على جودته. فالاعتماد يمثل حدًا أساسيًا للجودة، لكنه لا يضمن وحده أن الطالب سيحصل على مهارات عملية ذات قيمة حقيقية في سوق العمل. فقد يقضي الطالب أشهرًا أو سنة أو أكثر في دراسة برنامج، ويدفع رسومًا ووقتًا وجهدًا كبيرًا، ثم يكتشف أن الشهادة لا تمنحه المهارات أو الفرص المهنية التي كان يتوقعها.

لذلك، من المهم تعزيز الشفافية في برامج الدبلومات، بحيث تتوفر للطلاب معلومات واضحة عن الجهة التي صممت المقررات، وأسماء أعضاء هيئة التدريس والمدربين، وآليات الاختبارات والتقييم، ومخرجات البرنامج، ونسبة الجانب العملي فيه. كما ينبغي توضيح مدى ارتباط البرنامج باحتياجات سوق العمل السعودي، والقطاعات المهنية التي يمكن أن يستفيد منها الخريج.

كما ينبغي أن تشمل هذه الشفافية طبيعة العلاقة بين الجامعة والجهة التشغيلية، وحدود مسؤولية كل طرف، وآليات الرقابة الأكاديمية على التنفيذ، وكيفية اختيار أعضاء هيئة التدريس، وآلية تحديد مكافآتهم، والجهة المسؤولة عن ضمان التزام المتعاقدين باللوائح والأنظمة ذات العلاقة. فليس من المنطقي أن تتحمل الجامعة مسؤولية الاعتماد والمخرجات والشهادة، بينما تترك تفاصيل جوهرية في العملية التعليمية لجهة تجارية لا تخضع بالضرورة للمساءلة الأكاديمية ذاتها.

ويجب أن ينتقل الاهتمام في التعليم العالي من مجرد عدد البرامج المرخصة أو المعتمدة وعدد الشهادات الممنوحة إلى قياس ما يستطيع الخريج فعليًا القيام به بعد التخرج. فالقيمة الحقيقية للدبلوم لا تكمن في الشهادة الورقية أو الإلكترونية وحدها، وإنما في المهارات والمعارف والكفاءات التي يكتسبها الطالب ويمكن إثباتها وقياسها في بيئة العمل.

وتزداد أهمية ذلك في ظل توجه المملكة نحو رؤية السعودية 2030 وتنمية رأس المال البشري ورفع جاهزية الخريجين لسوق العمل. ولذلك، تحتاج برامج الدبلوم إلى معايير واضحة تضمن جودة المحتوى، وكفاءة المدربين، ونزاهة التقييم، وارتباط المهارات باحتياجات القطاعات السعودية، مع ضرورة إحكام الرقابة على الجهات التشغيلية وضمان عدم تغليب الاعتبارات التجارية على الاعتبارات الأكاديمية.

الهدف ليس الحد من التعليم الإلكتروني أو إيقاف التعاون مع القطاع الخاص، وإنما بناء نظام دبلومات أكثر موثوقية وشفافية وارتباطًا بسوق العمل. فالتوسع في أعداد البرامج والشهادات لا يمثل نجاحًا حقيقيًا إذا لم يصاحبه ارتفاع في جودة التعليم ومهارات الخريجين. المطلوب هو أن تكون كل شهادة دبلوم انعكاسًا لتعلم حقيقي وكفاءة مهنية يمكن للطالب وسوق العمل الوثوق بها.

فالجامعة عندما تمنح الاعتماد وتصدر الشهادة، فإنها لا تمنح مجرد اسم أو غطاء رسمي لبرنامج تجاري، وإنما تتحمل مسؤولية أكاديمية ومجتمعية كاملة عن جودة ما تقدمه. ومن ثم، فإن أي نموذج تشغيلي يجب أن يخضع لمبدأ واضح: أن تكون الكفاءة الأكاديمية وجودة المخرجات وحقوق أعضاء هيئة التدريس مقدمة على خفض التكلفة وتعظيم العائد التجاري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى