كتب الدكتور أحمد العرفج عن مصطلح “البربسة” قبل ثلاثين عاماً ولقد عرفها بأنها الكتابة لمجرد تصفيف ورصف الكلمات. حيث كانت الكتابة آنذاك عملية طويلة ومتأنية، يترك فيها الكاتب على الورق بصمة تعبّر عن ذاته بأسلوبه الذي اعتاد عليه القراء.
أما اليوم، فقد اختصر الذكاء الاصطناعي الوقت اللازم للكتابة اختصاراً كبيراً؛ إذ يستطيع الكاتب، بأوامر بسيطة، إنتاج نص متماسك يبدو احترافياً في دقائق بسيطة. وهنا تتجلى “البربسة” في صورتها الجديدة، التي تتمثل في سهولة إنتاج النص، مقابل صعوبة تقديم معنى ذو إحساس يستحق القراءة. فكثير من النصوص التي يولّدها الذكاء الاصطناعي تبدو محكمة الصياغة، لكنها تفتقر إلى العمق والمضمون والروح المتمثلة في أسلوب ونزعة الكاتب.
لقد تحوّل الاهتمام بالكتابة من التعبير عن فكرة ذات قيمة أصيلة إلى مجرد نص صامت مكتمل الأركان. وأصبح بعض الكتّاب يبحثون عن الأمر الأنسب الذي يوجّهونه إلى الذكاء الاصطناعي، بدلاً من البحث عن الكلمة الأنسب؛ بل يطلبون منه أحياناً أن يكتب بأسلوب مؤثر، وأن يخفي ما يدلّ على أن النص مولد بالذكاء الاصطناعي. ومع أن الذكاء الاصطناعي أداة نافعة لمن يعرف ما يريد قوله، فإنه يمنح من لا يملك فكرة يعبّر عنها فراغاً منسّقاً في وقت وجيز.
ويظلّ الفارق الجوهري بين الإنسان والذكاء الاصطناعي هو التجربة الإنسانية، والروح، والاحساس، والمشاعر. فالذكاء الاصطناعي يستطيع وصف المرض والخوف والحب، لكنه لم يستشعر أياً منهما. وهذه التجربة هي التي تمنح الكاتب صوتاً وروحا لا تستطيع الآلة استنساخه. ولذلك، لن تكن منافسة الكتّاب للذكاء الاصطناعي في سرعة الكتابة أو غزارة الإنتاج، بل في تقديم محتوى فريد وتجربة إنسانية محسوسة.
وهنا يظلّ سؤال د. أحمد العرفج حاضراً: هل هدفك أن تملأ صفحة بالكلمات، أم أن تنقل رسالة ذات قيمة ومعنى أصيل؟ حين تكون لديك أفكار وتجارب تلحّ عليك وتستحق أن تُروى، تبدأ الكتابة الأصيلة. وفي عالم يغص بالمحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي، تزداد حاجة الكاتب إلى أن يثبت أن لديه ما يستحق الكتابة.
وخلاصة القول أن تكتب مقالا واحداً بتمعن وعمق في الفكرة والمعنى حيث يظهر صوت الكاتب واحساسه، أفضل من أن ندع الذكاء الاصطناعي ان ينتج عشرات المقالات المفرغة من القيمة الأصيلة للمعنى ولأصالة في الفكرة وصياغتها. وهنا تنتهي “البربسة”، وتبدأ روح الكتابة الحقيقية ذات الهدف والفكرة والروح في إيصالها بالاحاسيس والمشاعر الإنسانية .





