المقالات

أزمة القراءة في العصر الرقمي: قراءة في نتائج PISA

اليوم لم يعد التعليم يقتصر على أن يعرف الطالب كيف ينطق الكلمات، بل أن يرى المزيد من المعنى فيما يقوله ، وقد أصبح مرتبطًا بمهارات تفكير عليا مثل: الصمود في مواجهة النصوص الأطول، وتحديد الروابط بين الأفكار، والمقارنة بين مصادر المعلومات، والتمييز بين الحقيقة والرأي، والتوصل إلى استنتاج نقدي قائم على الأدلة.

وبالتدقيق في نتائج PISA نجد أنها تشير إلى انخفاض متوسط القراءة بين عامي 2018 و2025 في معظم الأنظمة المشاركة، مع تراجع ملحوظ في مهارات ترتبط بالتعامل مع النصوص والمعلومات.

ولهذا السبب تُعد نتائج PISA مهمة للغاية: لأنها لا تتعامل مع القراءة باعتبارها مادة تعليمية في المدرسة؛ بل إنها تنظر إلى القراءة باعتبارها مهارة أساسية تمتد إلى العلوم والرياضيات، وما وراء ذلك ، فالطالب الذي يواجه صعوبة في فهم النص وتحليله وربط أجزائه قد يواجه صعوبة مماثلة عندما تكون المعرفة العلمية أو الرياضية مقدمة له في صورة مشكلة أو نص أو مجموعة من المعلومات التي تحتاج إلى تفسير.

وهذا يدفعنا إلى سؤال يتجاوز الدرجات والترتيب: هل نحن أمام تراجع في القراءة فقط، أم أمام تحول أعمق في الطريقة التي نتعامل بها مع المعرفة؟

ولعلنا نعزو هذا الانخفاض بظهور البيئة الرقمية التي فرضت نمط المحتوى القصير والمجزأ، مما أضعف قدرة الطلاب على الانتباه المستدام واستيعاب النصوص الممتدة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي وقدرته على تقديم الملخصات والإجابات في ثوانٍ، انتقلت القيمة التعليمية الحقيقية من مجرد الوصول إلى المعلومة إلى القدرة على فحصها ونقدها والتحقق من مصادرها.
ومع ذلك فلا يجب أن نرمي سهامنا نحو التقنية وحدها، بل يشترك معها الكثير مثل تبعات الجائحة وتغير العادات القرائية والفجوات الاجتماعية. لذا يحتاج الميدان التربوي إلى إعادة هيكلة تجربة التعلم عبر تدريب الطلاب تدريجياً على النصوص الطويلة، وتصميم مهام تحثهم على نقد المعرفة وتطبيقها بدلاً من استرجاعها، مع توظيف الذكاء الاصطناعي كمحفز للتفكير لا كبديل عنه ، مع إيماننا بأن البوابة الأساسية للتعلم هي القراءة ، والرهان اليوم لم يعد على سرعة الوصول إلى المعلومة، بل على عمق التعامل معها، فتصبح أهم مهارات المستقبل أن يدرك المتعلم متى يكتفي بالإجابة السريعة، ومتى يعود إلى النص ليقرأ ويفكر ويتحقق بنفسه.

• أستاذ تكنولوجيا التعليم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى