المقالات

كيف يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل ملامح التعليم والبحث العلمي

تتسابق الدول اليوم لإدخال الذكاء الاصطناعي إلى قاعاتها الدراسية و مختبراتها. حيث لم يعد تبني الآلة التحدي الأصعب و إنما الإستخدام المسؤول.
ومن أجل ذلك, شكلت اليونيسكو فريقا لطرح أول إتفاق عالمي بشأن أخلاقيات الذكاء الصناعي و طرحت أولنسخه من الإتفاقية في نوفمبر 2025. و هو عبارة عن “ملف توصيات استخدام الذكاء الاصطناعي”.هي أكثر من مجرد وثيقة سياسات؛ إذ أرست الأساس الذي سيحكم به العالم هذه التقنية، مستندةً إلى حقوق الإنسان والشفافية وفكرة واضحة واحدة: أن التقنية يجب أن تخدم الإنسان.
وانطلاقًا من هذا الأساس، طوّرت اليونسكو ثلاث أدوات عملية توظف هذه السيايات:
• منهجية تقييم الجاهزية (RAM): أداة شاملة ومخصصة لكل دولة لتقييم مدى استعدادها لتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.
• تقييم الأثر الأخلاقي (EIA): اداة تركز بشكل محدد على الخوارزميات والأنظمة البرمجية الفردية قبل نشرها وأثناء تشغيلها لضمان توافقها مع حقوق الإنسان والقيم الإنسانية بناء على توصيات اليونيسكو.
• إرشادات إستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والبحث (2023): بمثابة “خارطة الطريق” تُساعد المدارس والجامعات والحكومات على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT بشكل آمن وصحيح، دون الاعتماد عليها كبديل للمحتوى البشري أو الإخلال بالأمان الرقمي.
من المبادئ العالمية إلى التطبيق الوطني: ما الذي تقدّمه منهجية تقييم الجاهزية RAM؟
أخلاقيات الذكاء الاصطناعي تحدّد لنا ما هو الصواب، أما الحوكمة، وتحديدًا منهجية تقييم الجاهزية، فتوضّح لنا كيف نصل إلى الصواب على أرض الواقع.
لكل دولة تقييم الجاهزية الخاص بها، وتقييم جاهزية المملكة صدر في ديسمبر 2024, وكان لافتا حقا.
قد أشار التقرير إلى تخصيص أكثر من 40 مليار ريال (نحو 10.7 مليار دولار) عبر صندوق الاستثمارات العامة للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك البحث والتطوير؛ وهو رقم يعكس مدى محورية هذا المجال في رؤية 2030.
وتقود مؤسستان الجانب الأخلاقي من هذا العمل: المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (ICAIRE)، واللجنة الوطنية للأخلاقيات الحيوية (NCBE). أما البحث نفسه فتقوده مؤسسات عالمية المستوى مثل جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (KAUST)، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن (KFUPM)، ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية (KACST).
وأودّ أن أضيف من موقعي داخل المجال أن جامعة الملك عبدالعزيز تسهم بدور فعّال في هذا المشهد، عبر تعاونها مع واحدة من أقوى الجامعات في العالم — جامعة أكسفورد — من خلال المركز المشترك للذكاء الاصطناعي في الطب الدقيق (CAIPM)؛ وهو مركز بحثي له مخرجات علمية منشورة، ومرصود مستقلًّا في مؤشر .Nature Index
و النتاج العلمي يؤكد مدى الجاهزية و الجهود المبذولة في هذا المجال: فقد ارتفع عدد الأوراق العلمية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في المملكة من نحو 4,100 ورقة في عام 2019 إلى 10,500 ورقة في عام 2023، أي بزيادة قدرها 156% في أربع سنوات فقط.
ماذا عن التحول الرقمي واستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم؟
ولا يقتصر هذا التحوّل على المختبرات البحثية فحسب، فقد أدخلت المملكة الذكاء الاصطناعي في التعليم العام بمراحله كافة، كأحد المستهدفات الاستراتيجية لبرنامج تنمية القدرات البشرية، أحد برامج رؤية المملكة 2030. وهذا يعني أن الجيل القادم من طلبة الجامعات لديه أساسيات استخدام الذكاء الاصطناعي، بغض النظر عن التخصص المختار.
وعلى مستوى التعليم الجامعي، طوّرت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا-الإطار الأكاديمي السعودي لمؤهلات الذكاء الاصطناعي)، الذي أصبح المرجعية لإستحداث أي درجة أو برنامج في مجالات الذكاء الصناعي المختلفة .و يساهم في تقييم البرامج واعتمادها، ويحدّد الحد الأدنى من المتطلبات، ويُخضع الخريجين لمعايير وطنية موحّدة.
والنتيجة حتى الآن: أكثر من 38 ألف خريج من البرامج المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بين عامَي 2019 و2023، في مجالات مثل تعلّم الآلة وعلوم الحاسب وعلم البيانات.
وأخيرًا، الدرس الذي أستخلصه من هذا لكل تربوي وباحث وصانع سياسات في أي مكان: الدول التي تقرن الطموح بالأخلاق هي وحدها التي سيدوم تقدّمها حقًّا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى