المقالات

الطفل الكبير والشيخ الصغير

في عالم “السوشل ميديا” ثمة مفارقات تحدث أمام أعيننا كل يوم. امرأة ناصفت الخمسين من عمرها تؤدي رقصة “ترنديّة” على إيقاع أغنيةٍ شبابيةٍ رائجة وقد أجهدت ” الرُكَب” حتى تلحق بـ ” الرَّكْبْ”. ورجلٌ في الستين من عمره يُظهر “فرطاً في الحركة” ويقسو على “عِظيماته” التي أنهكتها الحياة، ويتحدث بلغةِ جسدٍ تنتمي إلى جيلٍ يصغره بعشرين عاماً أو تزيد. وفي المقابل طفلةٌ لم تبلغ العشرة أعوام بعد، أرهقت يداها الصغيرتان وجلدها الرقيق بمساحيق التجميل وأثقلت جسدها بقطعٍ من الملابس والمجوهرات التي لا يحتملها، ولسان حال هذا الجسد الضئيل كما قال عادل إمام ” ايه ده؟ أنا هشيل ده كله؟”.
في السابق، كانت مراحل الحياة أكثر وضوحًا: للطفولة براءتها، وللمراهقة جنونها، وللرشد قيمته، وللكبر هيبته. أما اليوم “شوفة عينكم”.. لقد تآكلت هذه الحدود العمرية وأصبحنا نشهد ظاهرة الـ Age blurring., أي العمر المموّه ضبابيّ المعالم، حيث اختلط الحابل بالنابل، الصغير يريد أن يكبر والكبير يريد أن يصغر، وما بين هذا وذاك، من بقي ليعيش عمره الحقيقي؟
وحتى لا اُتهم بالعنصرية العمرية فأنا لا أرى في استخدام كبار السن لوسائل التواصل ـــ بما يتلاءم مع عمرهم ــــ ما يدعو إلى السخرية. بل أراهُ تحررًا صحيًا من الصورة النمطية التي ربطت الشيخوخة بالانسحاب والخمول. لكن هناك فرق جليّ بين التحرر من هذه الصورة النمطية والخوف الداخلي من أن يبدو الإنسان كبيراً أمام الآخرين.
في إحدى الدراسات التي شملت 818 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 65 و90 عامًا، رجالاً ونساء، وجد الباحثون أن بعض كبار السن يميلون إلى تقديم أنفسهم من خلال ما وصفته الدراسة بـ«غياب الشيخوخة» أو «الشيخوخة المموهة». وهنا تظهر المفارقة! قد يشعر الإنسان فعلاً بأنه أصغر من عمره، “ماشي يا عمّ” وكما قال إسماعيل ياسين: ” أنا لسا شباب وفي العسكرية كمان”، لكنه قد يعكس أيضًا رفض هذا الشخص للتقدم في العمر، سواء كان رجلا أو امرأة. وبدلا ً من أن يعيش عمره، أصبح يخفيه خلف الفلاتر المقاومة للتجاعيد و” الترندات الخايبة” والأغاني الراقصة.
“قُصر الكلام”، أنه في عالم “السوشل ميديا”، يؤدي الصغير دورَ عمرٍ لم يعشهُ بعد، ويحاول الكبير أن يخفي عمراً عاشهُ بالفعل.. يبدو أن العمر لم يعد مجرد مرحلة نعيشها، بل أصبح دوراً نؤديه حتى نلقى القبول عند الخوارزميات قبل البشر. على كل حال، تنتابني الشكوك وسوء النوايا بأن فئة معينة من قراء هذا المقال يرددون الآن: ” بس.. بس يا نكدية يا زنانة” لكن وجب القول بأن أعظم ما سرقته منا هذه اللعنة التقنية ليس الوقت، ولا الطفولة، ولا الشباب، بل قدرتنا على أن نعيش أعمارنا كما هي. أن يكون الطفل طفلًا بلا استعجال وأن يكون الشاب شاباً بلا اغترار وأن يكون الكبير كبيرًا بلا اعتذار.

د. هدى الخثعمي

أكاديمية في جامعة بيشة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى