المقالات

أنا مشغولة يا أنا

اكتشفتُ مؤخرًا أمرًا، ولا أدري: هل أعتبرهُ وعيًا متأخرًا أم مصيبةً متأخرة؟
منذُ سنوات وأنا أهرب من نفسي، من لحظة استيقاظي حتى وقت نومي. لم أدع لهذه النفس “المسكينة” فرصة أن أختلي بها وأسمع ما لديها، أو أنهرها عن ” عمايلها السوداء” أو أصفق لها إن أحسنت صنعا. كنت بعيدة عنها ولسان حالها ” ع غيابك عمْ دُوب حاكيني.. لو كلمة بتراضيني”. أعترف بأني هجرت نفسي هُجراناً بائنا جائراً والله المستعان.
منذ سنوات طوال وأنا أتنقل بين الانشغالات اليومية التي أجزم أن معظمها لم تكن سوى زيفاً وحشواً لأوقات فراغي لأتملص من مواجهة نفسي. حتى حين أضع رأسي على الوسادة لا أحتمل تلك اللحظات الصامتة الفارغة، فأصبحت “بقدرة قادر” انسانة نهمة للمعرفة ولا أنام – منذ ستُ سنوات – إلا على صوت “البودكاست”، زعماً بأني استثمر كل دقيقة من يومي، حتى تلك التي تسبق نومي! لله دري “ما أكذبني”.

بدأت أتساءل ماذا سيحدث لو أغلقت هاتفي تماماً قبل النوم؟ كيف سأنام بدون صوت “البودكاست”؟ وماذا سأفكر فيه؟ كانت ليلة البارحة أولى محاولاتي ولا أخفيكم أنها كانت عصيبة وكنت ” أتقلب على جمر الغضى” قرابة الساعة أو تزيد. ثم نهضت وأديت بعض التمارين الرياضية الخفيفة وعدت إلى السرير و “ياليل ما طولك”. وكان آخر العلاج “كيّة” فتناولت “الميلاتونين” وأتبعته بكوب من البابونج لعل ليلتي “تعدي على خير” وكان لي ذلك والحمد لله.
الغريب في أمرنا نحن البشر أننا نشتكي من الانشغال، و”نصوّت ونلطم” من كثرة الضغوط، ولكن حين يتوفر لنا متسع من الوقت يتيح لنا الاختلاء بأنفسنا ومحاسبتها، أو مواجهة تساؤلاتنا الوجودية أو التفكير في حقيقة زوالنا الحتمي من هذه الحياة، تجدنا نختلق شغلًا أو نشاطًا لا قيمة له، سوى أنه ينقذنا من هذه اللحظات. أبسط مثال على ذلك أن نمسك الهاتف المحمول ونبدأ بالتصفح والتنقل العشوائي بين التطبيقات، أو نقوم بحملة تفتيش مفاجئة في أستوديو الصور، أو نبحث عن منتج سمعنا عنه قبل سنة..”أنا كنت نسيتك، شو يلّي جابك ع بالي؟”
تطرّق الفيلسوف الفرنسي باسكال إلى هذه الظاهرة الإنسانية منذ مئات السنين. والمفارقة أن باسكال، الذي عاش في القرن السابع عشر، في غرفة هادئة بلا “واي فاي” ولا “سوشيال ميديا”، واجه هو الآخر هذه الحالة الإنسانية وكتب عنها، وأطلق عليها مصطلح Divertissement، بمعنى “الترفيه” أو “الإلهاء”. وهو ميل الإنسان إلى ملء وقته بالحركة والانشغال، حتى لا يضطر إلى مواجهة نفسه. ثم ضرب باسكال فأوجع، وقال إن الإنسان حين ينفرد بنفسه في سكون تام، يواجه هشاشة وجوده الإنساني وفناءه المحتوم؛ لذلك يلجأ إلى الإلهاء بالعمل والحركة والضجيج والانشغال المستمر، هربًا من مواجهة ذاته..”منك لله يا باسكال…والله معك حق”.
ربما لهذا السبب أصبحنا نخاف من الهدوء ووقت الفراغ، ونعتبر الأمر وكأنه حالة طارئة يجب علاجها فورًا. عشر دقائق انتظار؟ افتح الجوال… الإشارة حمراء؟ “برضو” افتح الجوال… السيارة هادئة؟ شغّل أغنية… تحاول أن تنام؟ اسمع بودكاست… تمارس رياضة المشي؟ “برضو” اسمع بودكاست. عمومًا، نحن البشر “مالنا طب”! نهرب من أنفسنا طوال حياتنا، ثم نتشدق ونتحدث عن محاولاتنا البطولية في العثور على أنفسنا. نهرب من الصمت، ثم ندفع المال مقابل جلسات التأمل. نهرب من أفكارنا وذواتنا، ثم نشتري كتب تطوير الذات وفهمها. والطامة الكبرى أننا نفرّ من “الوحدة” فرارنا من الأسد، ثم نطالب بـ “مساحتنا الخاصة”.
{وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا}

د. هدى الخثعمي

أكاديمية سعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى