ائتوني بإنسانٍ لم يندم على قرار أو فعل قام به في ماضيه، أو إنسان ٍ لم يجلد ذاته القديمة على “خيباتها” حتى تدلدل لسانها وهي تردد أحدٌ أحد. هأنذا -بلا فخر- لا أكف عن ” التحلطم” عن الماضي ولا أدعه يمضي في حاله، وغالباً ما أفكر في الكثير من القرارات الخاطئة التي ارتكبتها وأنا في عمر ٍأصغر، وأندم على الأمور التي كان يجب أن أفعلها ولم أفعل، وتلك التي فعلتها وليتني لم أفعل. يبدو أنني كما يُقال لم ” أتخطَّ” والله المستعان! عموماً إليكم ما حدث.. في إحدى اللحظات التي كنت أجلد فيها ذاتي القديمة بلا رأفة، يشاء الله أن يهديني، فبدأت أتساءل: لماذا أحاكم نفسي في الماضي بالمعرفة والخبرة التي لديّ اليوم؟
نحنُ غالباً ما نعود إلى قراراتنا وتصرفاتنا القديمة، فنراها اليوم خاطئة تماماً، بل إن بعضها “يسوّد الوجه”، ونتساءل، كيف لم ننتبه إلى ما يبدو لنا بديهيًا الآن! ثم نزيد الوجع، ونستحضر الإشارات التي كان من المفترض أن نفهمها ” وهي طايرة” والبدائل التي لم نخترها، والأمور السخيفة التي فعلناها أو قلناها، ثم نقول لأنفسنا: ” آخخ بس” كان ينبغي أن أعرف..لم يكن ينبغي أن أفعل ذلك. لكن هل كانت كل هذه الأمور واضحة فعلًا حين كنا في ذلك العمر؟ أم أنها أصبحت كذلك بعد أن كبرنا وعركتنا الحياة؟
مشكلتنا نحن جماعة: ” ندمان.. لكن هاعتب على مين؟ أنا الغلطان أوي يا سنين” هي أننا نستخدم معرفتنا الحالية للحكم على ذواتنا الماضية، متناسين أننا لم نكن نملك المعلومات والخبرة نفسيهما. بل حتى الشجاعة الفذة في اتخاذ بعض القرارات ومواجهة بعض الأشخاص ربما لم نكن نملكها في الماضي وكنا من جماعة ” أُم الرّكب”.
لقد حولنا التعلم من التجربة والأخطاء إلى محاكمة بأثر رجعي! واصبحت المعرفة التي اكتسبناها لاحقًا دليلًا نستخدمه ضد أنفسنا في الماضي. وبالطبع فأنا لا أبريء ولا أبرر كل أخطائنا الماضية. فهناك فرق بين جهل ٍلم نستطع تجاوزه لأننا كنا حقاً ” أ ُطَطْ مغمّضة”، وبين تجاهل إشارات ٍواضحة أو إهمال ما كان ينبغي أن نبحث عنه.
“قُصر الكلام”، نحن لا نستطيع تغيير الماضي، لكننا نستطيع تغيير الطريقة التي نحاكمه بها. فبعض قراراتنا كانت خاطئة لغياب المعرفة والخبرة، وهنا ” عدّانا العيب” ولله الحمد، وبعضها الآخر كانت خاطئة بسبب تجاهلنا للمعرفة والإشارات والأدلة التي كانت لدينا بالفعل.
معشر قومي “الندمانين”.. ليس من العدل أن نطالب ذواتنا القديمة بألّا تخطئ، ولا من المسؤولية أن نرفض الاعتراف بأخطائها. العدل أن نفهم ما كان في وسعها أن تعرفه آنذاك، والمسؤولية أن نتصرف على نحو أفضل بعدما أصبحنا نعرف أكثر.
0
