
بقلم الإعلامي: محمد الشرقي
في اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، لا تستقبل المملكة ذكرى تتقادم في روزنامة الزمن، ولا تستعيد حادثةً انطفأ وهجها في غبار السنين، بل تستنطق فصلًا من فصول القدر، وتستفتح من خزائن الذاكرة ملحمةً كبرى كان فيها المستحيل مِعولًا، والعزيمة مِحراثًا، والإرادة نارًا تُصهر بها صلابة الأيام، حتى انقدح من وعثاء البدايات وطنٌ مهيب، شامخ السَّمت، بعيد الشأو، عظيم المراس، اسمه المملكة العربية السعودية.
وحين يُستحضر الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيَّب الله ثراه، فإن الذاكرة لا تستحضر رجلًا من رجال التاريخ فحسب، بل تستحضر عقلًا كان يرى وراء كثافة الواقع إمكانًا مستترًا، وبصيرةً استخرجت من جمر التفرق معنى الوحدة، ومن صمت الفلاة ضجيج الدولة، ومن قفر المسالك عمران الطريق، ومن خوف الأمس طمأنينة الغد، فكأن الرجل لم يكن يمشي فوق الأرض، بل كان يوقظ فيها قدرها.
لم يكن مشروع الملك عبدالعزيز جمع أطرافٍ متباعدة فحسب، بل إعادة سبك الجغرافيا في قالب دولة، وصهر التنازع في بوتقة الاجتماع، ونسج الولاء في نسيجٍ واحد، حتى تحولت جهاتٌ متباعدة إلى وطن، وتحولت القبائل والمدن والبوادي إلى كيانٍ واحد له قلبٌ واحد ورايةٌ واحدة ومصيرٌ واحد.
ومعه مضى رجالٌ لو وُزنت بهم الشدائد لخفت، صقلت معادنهم وعثاء المفاوز، وربتهم المحن على صرامة العزم ونبل الوفاء، فكانوا بعض مادة التأسيس وأوتاده، حملوا مشقة الطريق، وأدموا أقدامهم على صخر البدايات، وجعلوا من صدورهم معابر عبرت فوقها البلاد من التشرذم إلى الوحدة، ومن الارتياب إلى اليقين، ومن هواجس الخوف إلى مهابة الدولة.
وحين نذكر أولئك الرجال، فإن الوفاء يمتد إلى آبائنا وأجدادنا الذين عاشوا تلك الأزمنة، وعرفوا معنى أن يكون الطريق مَخوفة، والسفر مخاطرة، والأمن نادرًا، ثم شهدوا كيف تنفس المكان تحت راية الدولة، وكيف غدت الطمأنينة عادةً بعد أن كانت رجاءً، وأصبح الاستقرار من بدهيات الحياة بعد أن كان أمنيةً تختبئ في صدور الأمهات.
ثم مضى المؤسس إلى ربه وبقيت آثار يده في تضاريس الدولة، وتعاقب أبناؤه الملوك سعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله، رحمهم الله جميعًا، فكان كل واحدٍ منهم وارثًا للأمانة وحاملًا لثقل المسيرة، فأضاف كل عهدٍ إلى بنيان المملكة رسوخًا، وإلى حضورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي امتدادًا، حتى أصبح الوطن في كل مرحلة أكثر مناعةً وأوسع أثرًا.
واليوم، في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، تقف المملكة في طورٍ أشبه بيقظة المستقبل في جسد الحاضر؛ فالدولة لا تنتظر الغد ليأتيها، بل تستدعيه، ولا تقف عند عتبة الممكن، بل تزاحم حدوده، حتى غدت الفكرة تولد وفي جوارها خطة، والخطة في أعقابها مشروع، والمشروع في أثره واقع.
ومن هنا جاءت رؤية المملكة 2030 باعتبارها إعادة تشكيل لملامح المستقبل الوطني، لا لتجميل الحاضر فحسب، بل لتوسيع الاقتصاد، وتنويع الفرص، وإطلاق طاقات الإنسان، وتحويل الموارد إلى معرفة وصناعة وتقنية واستثمار وثقافة وسياحة ومدن أكثر قدرة على صناعة الغد.
وقد دخلت المملكة مرحلةً لا يكفي لوصفها القول إنها تنمو، بل إنها تعيد تشكيل نفسها على مرأى من العالم، تفتح في الاقتصاد منافذ جديدة، وفي المدن آفاقًا جديدة، وفي الثقافة والتقنية والابتكار ميادين أرحب، مؤكدةً أن التاريخ لا يُورث جاهزًا، بل يُعاد إنتاجه في كل جيل بصيغةٍ تليق بزمانه.
ومع كل ذلك، تبقى النعم الكبرى أعلى من كل عمران وأرسخ من كل رقم؛ نعمة الإسلام والتوحيد، وشرف خدمة الحرمين الشريفين، واجتماع الكلمة، والأمن والأمان، والاستقرار والرخاء، فهي الأعمدة التي يحمل عليها الوطن ما نراه من عمران وازدهار.
ومن وراء هذه السكينة رجالٌ يسهرون كي يهنأ الآخرون بالنوم، من رجال قواتنا المسلحة والأمن بمختلف قطاعاته، وحرس الحدود والحرس الوطني والدفاع المدني وكل عينٍ شاخصة إلى موضع الخطر، فهم حراس الطمأنينة والسيادة، وسياج الوطن في وجه كل معتدٍ.
وحين تمتد يد العدوان إلى المملكة، فإنها تصطدم بدولة تعرف أن الردع ليس مجرد إسقاط مقذوف، بل إسقاط أثره أيضًا، وأن الانتصار أن تظل المدينة بعده مدينة، والعمل عملًا، والفرح فرحًا، وألا تُمنح يد المعتدي أكثر مما تستحق من مساحة في وجدان الناس.
ولهذا فإن كل من يتوهم أن تهديدًا عابرًا يستطيع أن يبدل اتجاه وطن، يرى جوابه في المملكة ذاتها؛ في أعلامها المرفوعة، ومدنها المضيئة، ومشروعاتها المتقدمة، واقتصادها المتحرك، ومواطنيها ومقيميها وهم يمضون في حياتهم بثقة، لأن الدول التي تعرف قدر نفسها تدافع وتحمي وتردع، ثم تمضي في طريقها.
وفي اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، تبدو المملكة كأنها واقفة بين فجرين؛ فجرٍ أول خرج فيه الملك عبدالعزيز ورجاله، رحمهم الله، من وعورة البدايات يحملون هاجس الوحدة، وفجرٍ آخر يطل اليوم من مشروعات المستقبل والاقتصادات الجديدة والمدن الذكية والذكاء الاصطناعي والتحول التقني والتنموي، وبين الفجرين تاريخٌ كثيف، وتعب أجيال، وصلابة رجال، ووفاء شعب، وحكمة قيادة.
وهنا يكمن سر هذا الوطن؛ أنه لا يكرم الماضي ليقيم فيه، بل يعبر منه إلى مستقبلٍ أرحب، ولا يحتفظ بالمجد في خزائن الذاكرة، بل يصهره ليصنع منه مجدًا جديدًا، ولا يرى اليوم الوطني موعدًا للحنين وحده، بل موعدًا لتجديد المعنى بأن الوطن ليس ميراثًا نتسلمه فقط، بل أمانةً نضيف إليها قبل أن نسلمها لمن بعدنا.
رحم الله الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، ورحم أبناءه الملوك البررة ورجاله الأشاوس، ورحم آباءنا وأجدادنا الذين تركوا في هذه الأرض عرقهم ووفاءهم ودعاءهم، وحفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وحفظ المملكة وشعبها، وأدام عليها نعمة الإسلام والوحدة والأمن والاستقرار.
وسيظل الثالث والعشرون من سبتمبر شاهدًا على وطنٍ لم يُمنح مجده منحةً سائغة، بل استخرجه من صلابة الأيام، وصانه بالإيمان، ووسعه بالطموح، وطنٌ كلما بلغ ذروةً صنع لنفسه ذروةً أخرى، وكلما انتهى فصلٌ من فصوله فتح للتاريخ بابًا جديدًا.






