لم يعد اليوم الوطني مجرد مناسبة نستعيد فيها ذكرى التوحيد ، بل أصبح محطة نستحضر فيها مسيرة وطن إستطاع أن يحوّل الطموح إلى إنجاز، وأن ينتقل بثبات من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التنمية والتنافسية وصناعة المستقبل. وما تحقق خلال العقود الماضية في التعليم والصحة والبنية التحتية والنقل والصناعة والثقافة والرياضة والاقتصاد، يعكس مسيرة تحول واسعة تتواصل اليوم بوتيرة متسارعة في إطار رؤية السعودية 2030.
ومن بين القطاعات التي عكست هذا التحول بوضوح الإعلام والاتصال؛ فقد إنتقلت المملكة من إعلام يعتمد بصورة رئيسة على الوسائل التقليدية إلى منظومة إعلامية رقمية متعددة المنصات، تتسم بسرعة الوصول واتساع الانتشار وتنوع المحتوى. ولم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل أصبح جزءًا من المشهد التنموي والثقافي، وأداة للتواصل مع العالم، وإبراز المنجزات، وتقديم صورة أكثر اتساعًا عن المملكة ومجتمعها وتحولاتها.
وجاء التطور المتسارع في الاتصالات والتقنية ليمنح هذا التحول بعدًا جديدًا؛ فانتشار الإنترنت والخدمات الرقمية، وتطور البنية الاتصالية، وتوسع المنصات الرقمية، غيّر طريقة إنتاج المعلومات وتداولها واستهلاكها. وأصبح المواطن قادرًا على الوصول إلى المعرفة والخدمات والتواصل مع الآخرين في لحظات، كما أصبح شريكًا في صناعة المحتوى والتأثير في المشهد الرقمي.
وفي قلب هذا التحول يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه إحدى أهم تقنيات المستقبل. فالمملكة لا تتعامل معه باعتباره أداة تقنية فحسب، وإنما كمسار يمكن أن يعيد تشكيل قطاعات واسعة من الاقتصاد والخدمات والمعرفة. وتتسع تطبيقاته في الصحة والتعليم والنقل والخدمات الحكومية والأعمال، كما يفتح في الإعلام والاتصال آفاقًا جديدة لتحليل البيانات، وفهم إهتمامات الجمهور، وتطوير المحتوى، والترجمة، ودعم البحث والتحقق، ورفع كفاءة الإنتاج الإعلامي.
لكن قوة التقنية لا تقاس بما تستطيع أن تنتجه فقط، بل بمدى قدرة الإنسان على إستخدامها بوعي ومسؤولية. فكلما اتسعت سرعة انتشار المعلومات، ازدادت الحاجة إلى التحقق منها، وكلما تطورت أدوات إنتاج المحتوى، أصبحت حماية الخصوصية والملكية الفكرية ومصداقية المعلومات أكثر أهمية. ومع انتشار المحتوى الذي تنتجه الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، لم يعد الوعي الإعلامي والرقمي خيارًا، بل أصبح ضرورة لحماية المجتمع وتعزيز الثقة في البيئة المعلوماتية.
وهنا تتقدم مسؤولية المواطن إلى واجهة المشهد. فالمواطن في الدولة الحديثة ليس متلقيًا للإنجازات، وإنما شريك في صناعتها والمحافظة عليها. تبدأ مسؤوليته من إتقان العمل، والاستثمار في التعليم والمعرفة، وتطوير المهارات الرقمية، والاستفادة الواعية من الذكاء الاصطناعي، وتمتد إلى احترام الأنظمة، والمحافظة على الممتلكات العامة، والتعامل المسؤول مع وسائل الإعلام ومنصات التواصل.
وفي المجال الرقمي تحديدًا، قد تبدو مسؤولية الفرد بسيطة، لكنها ذات أثر واسع؛ فقبل أن يشارك معلومة، عليه أن يتحقق منها، وقبل أن ينتج محتوى، عليه أن يدرك أثره، وقبل أن يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي، عليه أن يعرف حدودها ومسؤوليته عن نتائج استخدامها. فالمواطن الواعي لا يساهم في انتشار المعلومة فحسب، بل يساهم في جودة البيئة التي تنتشر فيها.
إن الإنجازات الوطنية لا تُقاس بحجم المشروعات وحدها، وإنما بقدرتها على بناء إنسان أكثر معرفة وكفاءة ومسؤولية. ولذلك فإن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لا يكمن فقط في امتلاك أحدث التقنيات، بل في امتلاك العقول القادرة على توظيفها، والإعلام القادر على إستخدامها بمهنية، والمواطن القادر على التعامل معها بوعي.
ومن هنا يحمل اليوم الوطني رسالة تتجاوز الاحتفال إلى المشاركة: أن نعتز بما تحقق، ونحافظ عليه، ونضيف إليه. فالوطن الذي شُيّد بالوحدة والعمل لا يواصل تقدمه بالشعارات، وإنما بعطاء أبنائه. وكل مواطن يتعلم، ويبدع، ويتقن عمله، ويحسن استخدام التقنية، ويتحقق من المعلومة، ويحترم النظام، ويخدم مجتمعه، يضع لبنة في مستقبل وطنه.
إنجازات الوطن هي ما تحقق بالأمس، ومسؤولية المواطن هي ما سيصنع الغد؛ وبين الإنجاز والمسؤولية تستمر مسيرة وطن لا يكتفي بأن يكون حاضرًا في العالم، بل يعمل ليكون مؤثرًا في مستقبله.
*** أستاذ جامعي للإعلام السياسي
0
