المقالات

الإعلام في زمن الأزمات.. مسؤولية الكلمة وصناعة الوعي….

في أوقات الأزمات، تتجاوز مسؤولية الإعلام حدود نقل الأخبار ورصد الأحداث، لتصبح الكلمة أداة مؤثرة في تشكيل الوعي العام، وتوجيه الرأي، وتعزيز الثقة، والمساهمة في حماية المجتمع من الارتباك والتضليل. فحين تتسارع الأحداث وتتزايد التساؤلات، لا يبحث الناس عن المعلومة فحسب، بل يبحثون عن مصدر موثوق يفسر ما يحدث، ويضع الوقائع في سياقها الصحيح، ويساعدهم على فهم المشهد والتعامل معه بوعي ومسؤولية.
ومن هنا، تبرز أهمية الإعلام بوصفه أحد العناصر المؤثرة في إدارة الأزمات، ليس من خلال ما ينقله فقط، بل أيضاً من خلال كيفية نقله، وتوقيت نشره، واللغة التي يستخدمها، والمصادر التي يستند إليها. فالإعلام المسؤول قادر على تحويل حالة القلق إلى وعي، والارتباك إلى فهم، وتدفق المعلومات المتضاربة إلى صورة أكثر وضوحاً واتزاناً.
ويُعد حق الجمهور في المعرفة من المبادئ الأساسية للعمل الإعلامي، غير أن هذا الحق يقترن بمسؤولية مهنية وأخلاقية تزداد أهمية في أوقات الأزمات. فليس كل ما يصل إلى غرف الأخبار صالحاً للنشر، وليس كل خبر متداول حقيقة مؤكدة، كما أن السبق الصحفي يفقد قيمته إذا جاء على حساب الدقة والمصداقية. وفي ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، أصبحت الأخبار تنتقل بسرعة غير مسبوقة، وقد تسبق الشائعات المعلومات الرسمية، وتنتشر الصور والمقاطع خارج سياقها الزمني أو المكاني. وهنا تظهر الحاجة إلى إعلام يتحقق قبل أن ينشر، ويفصل بين الحقيقة والتكهن، ويعلن بوضوح ما هو مؤكد وما يزال قيد التحقق، بدلاً من الانسياق وراء السباق على المشاهدات والتفاعلات. فقوة المؤسسة الإعلامية لا تُقاس فقط بسرعة وصولها إلى الخبر، بل بقدرتها على تقديم معلومة صحيحة وموثوقة، والمحافظة على ثقة الجمهور حتى في أكثر الظروف حساسية.
إن الدور المطلوب من الإعلام في أوقات الأزمات يتجاوز التغطية الخبرية التقليدية، ليشمل تقديم المعلومات الدقيقة من مصادر موثوقة، وتحديثها باستمرار، وتوضيح أبعاد الحدث وتداعياته، وإتاحة المجال للخبراء والمختصين لتقديم تفسيرات موضوعية تساعد الجمهور على فهم التطورات بعيداً عن التهويل أو التبسيط المخل. كما يتعين على الإعلام أن يضع المصلحة العامة في مقدمة أولوياته، وأن يتجنب نشر المعلومات التي قد تثير الذعر دون ضرورة، أو تكشف تفاصيل حساسة يمكن أن تعرّض سلامة الأفراد أو جهود الاستجابة للخطر. ولا يعني ذلك حجب الحقائق أو تقييد حق الجمهور في المعرفة، بل التعامل مع المعلومات بحكمة، والتوازن بين مقتضيات الشفافية ومتطلبات السلامة العامة.
ومن المسؤوليات المهمة أيضاً، تصحيح المعلومات المغلوطة فور التحقق منها، وعدم الاكتفاء بنشر التصحيح بصورة هامشية بعد أن تكون الشائعة قد انتشرت على نطاق واسع. فالمواجهة الفعالة للتضليل تتطلب سرعة مهنية، ولغة واضحة، وأدلة موثوقة، وخطاباً يتعامل مع تساؤلات الناس بجدية واحترام. فالإعلام المؤثر ليس ذلك الذي يكتفي بوصف الأزمة، بل الذي يساعد المجتمع على فهمها والتعامل معها. ويتحقق ذلك من خلال تبسيط المعلومات المعقدة، وشرح الإجراءات المتخذة، وتوضيح السلوكيات المطلوبة، وتقديم إرشادات عملية بالتعاون مع الجهات المختصة.
فعندما يواجه المجتمع أزمة صحية أو بيئية أو اقتصادية أو أمنية، يحتاج الجمهور إلى معلومات تساعده على اتخاذ قرارات صحيحة، ومعرفة مصادر المساعدة، والتمييز بين المخاطر الحقيقية والمبالغات المتداولة. ومن هنا، تتحول الرسالة الإعلامية من مجرد محتوى إخباري إلى وسيلة للتوعية والوقاية وتعزيز السلوك المسؤول. كما يستطيع الإعلام أن يسهم في إبراز الجهود المبذولة لمعالجة الأزمة، وتسليط الضوء على المبادرات المجتمعية وقصص التعاون والتكافل، دون أن يتحول ذلك إلى تجاهل للتحديات أو تراجع عن المساءلة المهنية. فالإيجابية الحقيقية لا تعني تجميل الواقع، بل تقديمه بموضوعية، وإبراز الحلول الممكنة، وتعزيز قدرة المجتمع على تجاوز الصعوبات.
وفي الأزمات، تتجلى قيمة الثقة التي بنتها المؤسسات الإعلامية مع جمهورها عبر سنوات من الالتزام بالمصداقية والموضوعية. فالجمهور الذي اعتاد الحصول على معلومات دقيقة ومتوازنة يكون أكثر استعداداً للرجوع إلى المصدر نفسه عند اشتداد الأحداث، وأكثر قدرة على التمييز بين التغطية المهنية والمحتوى المضلل. وتُبنى هذه الثقة من خلال الشفافية في عرض الحقائق، والاعتراف بالأخطاء وتصحيحها، وتجنب الأحكام المتسرعة، واحترام عقول الجمهور ومخاوفه. كما تتطلب خطاباً إعلامياً يتسم بالاتزان، فلا يهوّن من خطورة الأزمة، ولا يضخمها، ولا يستغل مشاعر الناس لتحقيق الانتشار.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التكامل بين المؤسسات الإعلامية والجهات الرسمية والخبراء ومؤسسات المجتمع، بما يضمن تدفق المعلومات الموثوقة، وتوضيح المستجدات، والإجابة عن الأسئلة التي تشغل الرأي العام. فكلما كانت الرسائل واضحة ومتسقة ومبنية على الحقائق، ازدادت قدرة المجتمع على التعامل مع الأزمة بثقة ووعي.
لقد أوجد التحول الرقمي واقعاً إعلامياً جديداً، لم تعد فيه مسؤولية نشر المعلومة مقتصرة على المؤسسات الصحفية والقنوات التلفزيونية، بل أصبح الأفراد أيضاً شركاء في تداول الأخبار والمعلومات. وهذا الواقع يفرض تحدياً إضافياً يتمثل في تعزيز الوعي الإعلامي لدى الجمهور، وترسيخ ثقافة التحقق قبل النشر، وعدم إعادة تداول المحتوى المثير قبل التأكد من صحته وسياقه. كما يفرض على المؤسسات الإعلامية تطوير أدواتها الرقمية، والاستفادة من التقنيات الحديثة في التحقق من الصور والمقاطع والبيانات، ومتابعة الشائعات، وتقديم المعلومات في صيغ واضحة وسريعة الوصول. لكن التطور التقني، مهما بلغ، لا يمكن أن يحل محل الضمير المهني، ولا أن يعفي الإعلامي من مسؤوليته في التحقق والتقدير والحكم الأخلاقي. ففي زمن تتنافس فيه المعلومات على انتباه الجمهور، تظل المصداقية أهم من الانتشار، والدقة أهم من الإثارة، والأثر الإيجابي أهم من الأرقام التي تحققها المشاهدات والتفاعلات.
إن نجاح الإعلام في أوقات الأزمات لا يُقاس بعدد الأخبار التي ينشرها، ولا بسرعة تغطيته للأحداث وحدها، بل بمدى إسهامه في توضيح الحقائق، والحد من انتشار الشائعات، وتعزيز وعي المجتمع، ومساعدة الناس على اتخاذ مواقف وقرارات مبنية على المعرفة. وهذا النجاح يتطلب إعلاميين يمتلكون الكفاءة المهنية والحس بالمسؤولية، ومؤسسات تضع المصداقية في صميم أولوياتها، وسياسات تحريرية واضحة، وتعاوناً مستمراً مع المصادر الموثوقة، إلى جانب جمهور يدرك أن تداول المعلومة مسؤولية لا تقل أهمية عن نشرها.
وفي المحصلة الأخيرة ، فإن الأزمات تمثل إختباراً حقيقياً لرسالة الإعلام ومكانته في المجتمع؛ ففي اللحظات التي تكثر فيها الأسئلة وتتصاعد فيها المخاوف، تصبح الكلمة أكثر تأثيراً، وتزداد الحاجة إلى خطاب إعلامي يجمع بين الشجاعة في نقل الحقيقة، والحكمة في عرضها، والمسؤولية في تقدير آثارها. فالإعلام في زمن الأزمات ليس مجرد ناقل لما يحدث، بل شريك في تشكيل الوعي بما يحدث، وفي بناء قدرة المجتمع على فهمه والتعامل معه. وحين تتحول المصداقية إلى نهج، والمسؤولية إلى ممارسة، والكلمة إلى وسيلة للتنوير لا للإثارة، يصبح الإعلام قوة إيجابية تسهم في حماية المجتمع، وتعزيز الثقة، وترسيخ الوعي الذي تحتاج إليه الأوطان في أوقات الشدة قبل أوقات الرخاء ..

***أستاذ جامعي للإعلام السياسي وتقنيات الإتصال

د. سالم بن ناصر الشريف

استاذ جامعي - مستشار إعلامي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى