المقالات

المتحدثون عن قضايا الوطن: مسؤولية وطنية لا تحتمل الاجتهاد

في ظل التسارع المتواصل للأحداث واتساع تأثير وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، لم تعد الكلمة الإعلامية مجرد رأي يُطرح، بل أصبحت أداة مؤثرة في تشكيل الانطباعات وتفسير المواقف ورسم صورة الوطن لدى المتلقي في الداخل والخارج. ومن هنا، فإن الحديث عن قضايا الوطن، ولا سيما ذات الأبعاد السياسية والاستراتيجية، يستلزم قدراً عالياً من المعرفة والتأهيل والمسؤولية المهنية.

تابعت خلال الفترة الماضية عدداً من المشاركات في وسائل إعلامية مختلفة، ولاحظت تفاوتاً في مستوى الإعداد والقدرة على تقديم المعلومة بصورة مباشرة وواضحة. وهذه الملاحظات لا تهدف إلى الانتقاص من أصحابها أو التقليل من مكانتهم العلمية وخبراتهم العملية، وإنما تنطلق من الحرص على تطوير الحضور الإعلامي للكفاءات الوطنية، وتعزيز قدرتها على التعبير عن أفكارها بما يتناسب مع أهمية القضايا المطروحة وحساسيتها.

فامتلاك المعرفة الأكاديمية أو الخبرة العملية لا يعني بالضرورة امتلاك مهارات الظهور التلفزيوني والتحليل الإعلامي؛ إذ إن لكل مجال أدواته ومتطلباته. وقد يكون الإنسان متميزاً في تخصصه، لكنه يحتاج كذلك إلى القدرة على الاختصار، وترتيب الأفكار، وبناء الحجة، والتعامل مع الأسئلة المفاجئة، وتقديم المعلومات بلغة واضحة ومقنعة. فالمعرفة، مهما كانت قيمتها، تحتاج إلى مهارة في إيصالها إلى الجمهور.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى دور أكثر فاعلية من المؤسسات الإعلامية والجهات ذات العلاقة، بالتعاون مع المؤسسات الأكاديمية، في تطوير أطر مهنية ومعايير واضحة للمتحدثين والخبراء والمحللين عند تناول القضايا الوطنية المهمة، سواء في وسائل الإعلام المحلية أو الإقليمية أو الدولية.

ولا تعني هذه الدعوة تقييد حرية الرأي أو حصر الحديث عن الوطن في فئة محددة، بل تهدف إلى تعزيز جودة الخطاب الإعلامي، وترسيخ التمييز بين الرأي والتحليل المتخصص والموقف الرسمي، بما يضمن تناول القضايا الوطنية بوعي وكفاءة واتزان.

فليس كل من يجيد الحديث مؤهلاً للتحليل، وليس الحضور المتكرر في وسائل الإعلام دليلاً كافياً على القدرة على تفسير الأحداث. كما أن الشهرة والقدرة على إثارة الجدل لا ينبغي أن تكونا المعيار الأساسي لاختيار الضيوف، خصوصاً حين تتعلق الموضوعات بقضايا وطنية حساسة تتطلب فهماً عميقاً لخلفياتها وسياقاتها وتداعياتها.

والمؤهل لهذه المهمة هو من يستطيع التمييز بين الحقائق والتقديرات الشخصية، ويعرض المعلومات في سياقها الصحيح، ويشرح المواقف بأدلة واضحة، ويتعامل مع الأسئلة الصعبة أو الاستفزازية بهدوء واتزان. كما ينبغي أن يمتلك القدرة على إيصال الفكرة الأساسية بعبارات محددة ومباشرة، بعيداً عن الاستطراد والتكرار، بما يحفظ وضوح الرسالة وقوة أثرها.

ويزخر المجتمع السعودي بكفاءات متميزة في الجامعات ومراكز الأبحاث والقطاعات الاقتصادية والقانونية والثقافية وغيرها، ومن المهم إتاحة المجال أمامها للمشاركة في النقاش العام. غير أن الاستفادة المثلى من هذه الكفاءات تتطلب اختيار الشخص المناسب للموضوع المناسب، ووضع معايير استرشادية تساعد المؤسسات الإعلامية على اختيار ضيوفها وفق الكفاءة والملاءمة، لا وفق الشهرة أو كثرة الظهور وحدهما.

إن الحديث عن قضايا الوطن مسؤولية وطنية ومهنية، تتطلب الجمع بين التأهيل العلمي والخبرة العملية والمهارة الإعلامية. ومن هنا، فإن تطوير المعايير وتأهيل الكفاءات الوطنية وتشجيع المؤسسات الإعلامية على تبني ممارسات أكثر دقة، يمثل خطوة مهمة نحو خطاب إعلامي أكثر وضوحاً ومصداقية وتأثيراً.

فهل نشهد مبادرة مؤسسية جادة لترسيخ هذه المعايير، بما يضمن وصول المعلومة إلى الجمهور بوضوح، وعرض القضايا الوطنية بكفاءة واتزان، وبما يليق بمكانة المملكة وتطلعاتها؟

د. سالم بن ناصر الشريف

استاذ جامعي - مستشار إعلامي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى