ليست كل صور نكران الجميل مجرّد نسيانٍ لمعروفٍ أو تجاهلٍ لإحسان، فثمة جحودٌ أشدّ قسوةً يتجاوز الصمت عن الفضل إلى الفرح بزواله، ويتجاوز إنكار النعمة إلى الشماتة بالمكان الذي منح الإنسان الأمن والإستقرار، وفتح له أبواب الرزق، واحتضنه حين ضاقت به السبل. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها … أن يأكل المرء من خير وطنٍ، ويعيش مطمئنًّا في ظله، ثم يتمنّى أن تحلّ به الأزمات، وأن تصيبه المحن، وأن يرى في مايحدث له مناسبةً للفرح والتشفّي….
إنّ من أكثر صور الجحود إيلاماً أن يجد الإنسان في بلدٍ مضيفٍ ملاذًا آمنًا، وفرصةً للعمل، وسبيلًا لحياةٍ كريمة مستقرة، فينعم بخيراته ويستفيد من إمكاناته، ثم يقابل كل ذلك بموقفٍ يتمنّى فيه زوال أمنه أو إضطراب إستقراره. وكأنّ السنوات التي عاشها في الطمأنينة لم تكن، وكأنّ أبواب الخير التي فُتحت أمامه لم تُفتح يومًا، وكأنّ ما وجده من أمانٍ ورزقٍ وإستقرارٍ لا يستحق حتى الاعتراف بالفضل ….
والأشدّ غرابةً من الجحود ذاته أن يتحوّل إلى شماتةٍ معلنة، فيفرح البعض حين يواجه البلد الذي يحتضنهم أزمةً أو تحدّيًا، ويتابعون ما يصيبه من صعوباتٍ بروح المنتظر لإنكساره، وكأنّ تعثّر الأوطان إنتصارٌ شخصياً، وكأنّ ما يلحق بها من أذى يحقّق لهم مكسباً أو يشفي في نفوسهم غليلًا. وهنا لا يعود الأمر مجرّد غيابٍ للإمتنان، بل يصبح تنكّراً واضحًأ لخيرٍ عاشوا فيه، وجحوداً لنعمةٍ إنتفعوا بها، وفرحًا بما قد يضرّ المكان الذي كان لهم فيه نصيبٌ من الأمن والحياة……
فأيّ مفارقةٍ هذه التي تجعل الإنسان يطمئنّ إلى أمنٍ ثم يتمنّى زواله، وينتفع بإستقرارٍ ثم يفرح بتغيره، ويستفيد من خيرات بلدٍ ثم ينتظر الأزمات التي قد تصيبه؟ كيف يجتمع الإنتفاع بالنعمة مع التشفّي بزوالها، وكيف يقيم المرء في ظلّ الأمان ثم يتمنّى أن تنطفئ طمأنينته، لا لشيءٍ إلا لأنّ المصائب حلّت بالمكان الذي يعيش فيه؟
إنّ الأوطان ليست مجرّد حدودٍ على الخرائط، ولا أماكنَ عابرةً يقيم فيها الإنسان حتى تنتهي حاجته إليها؛ فالوطن المضيف الذي يوفّر الأمن وفرص العمل والاستقرار يصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية لمن يعيش على أرضه. وما يصيب هذا البلد من أزماتٍ لا يبقى حبيس العناوين والأخبار، بل قد يمتدّ أثره إلى أرزاق الناس، وأعمالهم، وأسرهم، ومستقبل أبنائهم. ومن هنا تبدو الشماتة بمصائب الأوطان ضربًا من الجحود الذي يتجاهل بأنه قد يكون من أوّل المتأثرين بما يتمنّاه لغيره….
ولعلّ أخطر ما في نكران الجميل أنّ صاحبه يعتاد النعمة حتى يظنّها أمرًا لا قيمة له، وينسى أنّ الأمن الذي يعيشه ليس تفصيلًا عابرًا، وأنّ الاستقرار الذي ينتفع به ليس أمرًا مضمونًا في كل زمانٍ ومكان. فإذا مرّ البلد الذي احتضنه بظرفٍ صعب، انكشف ما استقرّ في نفسه من وفاءٍ أو جحود؛ فمن الناس من يتمنّى له تجاوز المحنة، ومنهم من يجد في المحنة نفسها فرصةً للشماتة، فيفرح بما يقلق الآخرين، ويتلذّذ بما قد يحزن الأسر ويهدّد المصالح ويبدّد الطمأنينة……
وما أقسى أن تتحوّل النعمة في ذاكرة الجاحد إلى شيءٍ لا يُذكر إلا عند الحاجة، وأن يُمحى أثر سنواتٍ من الأمان والانتفاع عند أول أزمة. كأنّ المعروف لا يُحسب إلا ما دام متجددًا، وكأنّ الفضل يسقط بمجرد أن يواجه صاحبه ظرفًا صعبًا. والحقيقة أنّ الأزمات لا تمحو ما سبقها من خير، ولا تجعل الجحود وفاءً، ولا تمنح الشماتة مبرّرًا؛ بل تكشف مقدار ما يحمله الإنسان في داخله من تقديرٍ لما ناله، أو إستخفافٍ بكل ما انتفع به….
إنّ الوفاء للأوطان التي احتضنت الإنسان لا يعني أن تكون الحياة فيها خاليةً من الصعوبات، ولا أن تسير جميع الأمور على النحو الذي يتمناه كل فرد؛ إنما يعني ألّا يتحوّل ما يواجهها من تحدّيات إلى مناسبةٍ للابتهاج بمصائبها. فثمة فرقٌ كبير بين من يرى أزمةً فيتمنّى انقضاءها، ومن يراها فيتمنّى اتّساعها، وبين من يرجو للبلد الذي عاش في خيره دوام الأمن، ومن ينتظر إضطرابه ليشمت بما يصيبه ويسعد بكل أزمة يمر بها ……….
ولا يُقاس نكران الجميل بحجم الكلمات وحدها، بل بما تكشفه المواقف عند الشدائد. فقد يصمت الإنسان عن الشكر، لكنّ الشماتة تُظهر موقفًا أبعد من الصمت؛ إذ تكشف عن إستعدادٍ للفرح بزوال ما كان سببًا في طمأنينته، وعن تجاهلٍ لواقعٍ عاشه وانتفع به. ومن المؤسف أن ينسى البعض أنّ الأزمات لا تصيب فكرةً مجرّدةً أو كيانًا بعيدًا فحسب، بل قد تمسّ حياة أناسٍ وأرزاق أسرٍ ومستقبل أجيال، وأنّ التشفّي بها لا يغيّر حقيقة المعروف الذي سبقها…….
إنّ حفظ الجميل لا يحتاج إلى مواقف إستثنائية، بل يبدأ من أبسط معاني الوفاء: ألّا يتمنّى الإنسان الضرر للمكان الذي آواه، وألّا يجعل من محنته مناسبةً للابتهاج، وألّا يتعامل مع خيرٍ ناله كأنّه لم يكن. فليس من الوفاء أن يستظلّ المرء بأمان وطنٍ ثم يفرح بما يهدّده، وليس من أصالة النفس أن يعيش في رخائه ثم يتمنّى له الشدائد، وليس من الإنصاف أن تُنسى النعم كلّها عند أول أزمة………
وإذا كان الجحود يكشف عن صاحبه، فإنّ الشماتة تكشفه بصورةٍ أشدّ وضوحًا؛ لأنّها لا تكتفي بتجاهل الفضل، بل تتمنّى أن يتحوّل الخير إلى ضرر، والأمان إلى قلق، والاستقرار إلى إضطراب. وهي مفارقةٌ تختصر معنى نكران الجميل في أبشع صوره: أن ينتفع الإنسان من نعمةٍ ثم يفرح بما قد يسلبها من الآخرين، وأن يعيش في خير المكان ثم يتمنّى أن يُحرم غيره من الخير نفسه….
ستظلّ قيمة الوفاء ظاهرةً في المواقف لا في الادّعاءات، وسيبقى الفرق واضحًا بين من يحفظ المعروف في ذاكرته، ومن يمحوه عند أول محنة، وبين من يتمنّى للبلد الذي احتضنه تجاوز أزماته، ومن ينتظر تلك الأزمات ليعلن شماتته. فالأوطان قد تمرّ بالشدائد، وقد تواجه ما يعكّر استقرارها، لكنّ ذلك لا يمحو ما قدّمته من خير، ولا يسقط حقّها في ألّا يُقابَل إحسانها بالجحود……….
فما أقسى أن يأكل الإنسان خبز الإحسان، ثم يتمنّى أن تجوع الأرض التي أطعمته؛ وأن يأمن في وطنٍ احتضنه، ثم يفرح بما يهدّد أمنه. تلك ليست مجرّد غفلةٍ عن المعروف، بل صورةٌ صارخةٌ من نكران الجميل، حين يتحوّل خير الأمس إلى نسيان، وتصبح محنة اليوم عيداً للشماتة، ويغدو جحود النعمة أبلغ من كلّ كلمات الإعتذار……
*** أستاذ جامعي للإعلام السياسي وتقنيات الإتصال

