المقالات

محو الأمية البصرية،،، تشريح الصورة وأبجدية المعنى الكامن

قبل أعوام، كتبتُ مقالاً في إحدى صحفنا المحلية أردتُ منه أن يكون مدخلاً أولياً لمفهوم «محو الأمية البصرية»، وكان عزمي آنذاك أن يتبعه مقالان -على الأقل- يكملان بنيانه، غير أن ظروفاً خاصة حالت دون ذلك فتوقفت الفكرة في منتصف الطريق. وظل الأمر كذلك حتى وقع على المقال مؤخراً صديق عزيز، قرأه بشغف، ولم يكتفِ بإبداء إعجابه، بل ألحّ عليّ وبشدة، محفزاً ومجدداً العزم لإتمام ما بدأت، والخروج بتلك المداخل العامة والأفكار التأسيسية إلى مساحات التطبيق والتحليل التي تمس واقعنا اليومي بصورة مباشرة.
ولعل السؤال المنطقي الذي ننطلق منه هنا هو: إذا كان فعل «النظر» عملية فكرية وذهنية مركبة تتجاوز مجرد التقاط الضوء، فكيف نقرأ هذا المشهد البصري الهائل الذي يحاصرنا؟ وبأي أدوات يمكننا الانتقال من حالة العبور السطحي أمام المشهد إلى فضاء التفكيك النقدي لمضامينه؟
تبدأ قراءة الصورة حين ندرك أنها لا تنقل الواقع بحياد بريء، بل تُعاد صياغته لخدمة فكرة ما. وتتأسس هذه القراءة على مستويين متداخلين هما: مستوى المعنى الظاهري، وهو ما يظهر للعين بوضوح وتطابقه الحواس مباشرة (كإنسان، أو مبنى، أو منظر طبيعي)؛ ومستوى المعنى الكامن، وهو تلك الطبقة الدلالية الأعمق التي تحرك الانطباعات والمشاعر عبر توظيف الرموز، والظلال، والإشارات الثقافية، والنفسية. وهنا بالتحديد يتجلى الفارق المعرفي؛ فبينما يكتفي المتلقي غير المتمرس ببريق السطح أو جاذبيته العابرة، ينفذ المتلقي المتمرس والقارئ الواعي إلى ما وراء الإطار ليكتشف الغاية التي رمى إليها صانع الصورة.
ولكي نتحسس هذه الأبجدية، يمكن تفكيك بنية الصورة من خلال ثلاثة عناصر جوهرية تحاور عقل المتلقي دون أن يصرّح بها، وسنطرح تلك العناصر بشيء من الإيجاز.
أولا: سلطة التأطير وزاوية الالتقاط:
ليس الخطير في الكادر ما يقرر المصور إبرازه فقط، بل «ما يتعمد حجبه» خارج حدود الرؤية. خذ مثلاً: صورة تُظهر حشداً يبدو مكتظاً يبعث على الاختناق؛ والسبب أنها التُقطت بعدسة مقرّبة تضغط المسافات وتلغي الفراغات، كي توحي للمتلقي بإجماع أو فوضى عارمة، في حين لو اتسعت زاوية المشهد قليلاً لتبين أن الجمع لا يتجاوز بضع عشرات يتحركون في فضاء شبه فارغ! فالكاميرا هنا لم تكذب في نقل العنصر، لكن التأطير والزاوية هما اللذان صنعا حقيقة موجهة بالكامل.
ثانيا: لغة التكوين وتوزيع الفراغ:
طريقة توزيع العناصر والكتل والفراغ داخل اللوحة أو الصورة توجّه حركة العين قسراً ضمن إيقاع بصري مدروس؛ فالعناصر المركزية تفرض استقراراً وتوكيداً، بينما دفع العناصر إلى الحواف أو ترك فراغ هائل غير مبرر يولد شعوراً بالعزلة أو الترقب، كما أن المسافة التي تفصل بين الأشخاص داخل المشهد تشي بطبيعة العلاقات، ودرجات التوتر الكامنة بينهم دون نطق كلمة واحدة.
ثالثا: بلاغة الضوء واللون:
للألوان شفرات متفق عليها في الوعي الجمعي؛ فالحرارة والبرودة اللونية تؤثران في المزاج النفسي مباشرة. كما أن التباين الشديد بين الظلال والنور يخلق بعداً درامياً مثقلاً بالغموض والصراع، في حين يمنح الضوء المتجانس والمسطح إيحاءً بالهدوء أو ربما الرتابة والحياد المفتعل.
ومع طغيان المنصات الرقمية وتدفق محتواها اللحظي، باتت مهارة التفكيك البصري أداة حيوية لفهم العالم من حولنا. فالصورة اليوم هي المحرك الرئيس لصناعة الرأي، وتسويق الأفكار، وبناء العقل الجمعي، ونشر الثقافات، وتوجيه الذائقة.
ومن التحولات البارزة التي تستوقف المتابع اليوم، أن الصورة لم تعد تقف عند حدود “المعالجة الفنية” أو التعديل الرقمي المعتاد، بل دخلت مرحلة استنساخ الواقع عبر تقنيات توليد الملامح وتزييف المشاهد الحركية وسياقاتها؛ الأمر الذي يجرّد الصورة تدريجياً من قيمتها التاريخية كونها “دليلاً قطعياً”، ويجعلها في حاجة دائمة إلى حس نقدي يسائل السياق، ويتأمل المصدر، ولا يسلّم بصدق ما يراه لمجرد أن العين رأته.
إن محو الأمية البصرية ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو استرداد لحق العقل في مراجعة ما تمليه عليه العين؛ لنصل إلى قناعة راسخة بأن الصورة لا تعرض الواقع كما هو دائماً، بل كما أريد لنا أن نشاهده.

أ.د. عبد الله دخيل الله الثقفي
أستاذ تاريخ الفن والنقد الفني
جامعة أم القرى

د. عبدالله الثقفي

أستاذ تاريخ نقد الفن والنقد الفني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى