المقالات

حياتنا أخترناها أم أختيرت لنا؟

‏يظن الإنسان أنه يختار حياته، بينما قد يكون كثير مما يسميه إختيارًا، مجرد أشياء تعلّم منذ صغره أن يرغب فيها.
‏المجتمع لا يفرض أوهامه علينا بالقوة دائمًا، يكفي أن يكررها أمامنا حتى نألفها، ثم نألفها حتى نؤمن بها، ثم نؤمن بها حتى ندافع عنها كأنها حقائق لا تقبل النقاش..
‏يخبروننا منذ الصغر كيف يكون النجاح، وما المهنة التي تستحق الإحترام، وما الحياة التي ينبغي أن نطمح إليها، ومن يستحق الإعجاب، ومتى نكون قد أنجزنا شيئًا في هذه الحياة. ثم نكبر ونركض خلف كل ذلك، ونظن أننا أخترناه بأنفسنا..
‏قد يختار أحدهم تخصصًا جامعيًا لأنه مطلوب في نظر الناس، لا لأنه يحبه، وقد يرفض آخر عملًا يحبه لأنه لا يمنحه المكانة التي يتوقعها منه محيطه، وقد يشتري الإنسان بيتًا أكبر مما يحتاج، أو سيارة أغلى مما يريد، فقط لأنه تعلّم أن بعض الأشياء دليل على النجاح..
‏حتى في الأشياء الصغيرة، قد لا يكون إختيارنا حرًا كما نظن، فنحن نشتري ما يمدحه الناس، ونلبس ما يجعلنا مقبولين، و نختار مطعمًا لأن الجميع يتحدث عنه، ونشعر أننا تأخرنا حين نرى أصدقاءنا يتزوجون و ينجبون قبلنا، قد يحذف أحدهم صورة لا تعجبه، لا لأنها لا تمثله، و إنما لأنه يخشى ألا تعجب الآخرين، و قد يذهب آخر إلى مناسبة لا يريدها، ويبتسم في مكان لا يشعر فيه بالراحة، فقط لأن غيابه سيُفسَّر بطريقة لا يريدها..
‏نقيس أعمارنا أحيانًا بأعمار الآخرين، هذا اشترى، وهذا ترقى، وهذه تزوجت، وتلك بدأت مشروعًا، ثم نسأل أنفسنا: لماذا لم أصل بعد؟ مع أننا لم نتوقف أصلًا لنسأل: هل أريد الوصول إلى المكان نفسه؟
‏قد يقضي الإنسان عمره كله في تحقيق حلمٍ لم يكن حلمه، و إنما كان صورةً زرعها المجتمع في ذهنه عن الإنسان الذي ينبغي أن يكونه.. المجتمع لا يحتاج إلى أن يسجن الإنسان كي يقيّد إختياراته، يكفي أن يجعله يخاف من إختيارٍ لا يوافق توقعاته، عندها يصبح الإنسان حارسًا للسجن الذي بناه له الآخرون، ويطلق على أسواره إسم القيم والمصلحة وما يقوله الناس..
‏وربما لهذا يحتاج الإنسان، بين حين وآخر، إلى أن ينسحب و يختلي بنفسه قليلًا من توقعات الآخرين، ثم يسأل نفسه بهدوء لو لم يكن هناك أحد ينتظر مني شيئًا، فهل كنت سأختار الحياة نفسها؟
و هل نحن الذين نختار حياتنا، أم أن القدر سبحانه أختارها لنا؟ سؤال ينتظر الجواب بعد تأملنا في حياة نسيرها على أمل أن تتحقق كما نريد نحن لا كما يريدها الآخرون..

• كاتبة صحفية وناشطة ثقافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى