مات صديق والدي والذي هو بمثابة أباً لي ولإخوتي الوالد الفاضل محمد بن نامي الكحيلي الحربي بعد معاناة طويلة مع المرض كان فيها بفضل الله نعم العبد المؤمن المحتسب الصابر على حالته المرضية ابتغاء الأجر والثواب والرفعة في الدرجات بإذن الله، فقد كان على السرير المنزلي لسنوات عديدة وعلى الرغم من مرضه العضال إلا أنه كان يتفضل علي دائماً ويُكرمني باستمرار بالتواصل من فترة لأخرى؛ ليطمئن فيها على حال أبي وحالي وإخوتي وأبنائي. وكنت أُحرج منه في كل اتصال يأتيني وأطلب منه بكل ود ولطف ألا يتصل فمن الواجب بل من المفترض أن يكون الاتصال مني إليه، ولكنه يرفض ويقول أنت بمثابة الابن الذي يطمئن عليه والده.
وقد هاتفته قبل وفاته رحمه الله بأربعة أيام تقريباً وكأني أُريد أن أودعه..!! وللأسف لم يرد على اتصاليين متتاليين وأخذني القلق بعض الشيء وتواصلت مع ابنه مباشرةً برسالة عبر الواتساب لأستفسر عن ما حصل وأن يُطمئني عليه وعلى صحته فكان رده نصاً :”وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته الحمد لله بخير أبشرك يمكن ما انتبه للجوال لكن أبشر يوصل”وإذ برسالة واتساب في مساء يوم أمس الإثنين من الابن نفسه يقول فيها: “الوالد في ذمة الله لاتنساه بالدعاء والرحمة” فلم أتمالك نفسي من فداحة الخبر فقد أثقل قلبي، وأرهق مسامعي ولكن ماكان لي إلا أن أُسلم بقضاء الله وقدره والحمد لله على كل حال. فقد مضى إلى الموعد الذي لا مفر منه أبداً والذي سوف نمضي نحن من بعده في يوم ما فلكل إنسان أجل معلوم.
والحسرة الشديدة التي آلمتني كثيراً أنني ومنذ أكثر من خمس سنوات وأنا ُأُحاول أن أراه إلا أنه كان يعتذر في كل مرّة مكتفياً بالتواصل الهاتفي وكنت أعذره؛ نظراً لحالته الصحية التي يمر بها فلا يُحب أن يراه محبيه بصورة تقلقهم على وضعه رحمه الله تعالى، وماخفف علي قليلاً رؤيته وهو مسجي بكفنه في مغسلة جامع المهاجرين، وقد دعوت له بالرحمة والمغفرة والتوبة بعد اكتحلت عيني أخيراً برؤيته ولله الحمد وإن كان في آخر لحظات رحيله من الحياة الدنيا الفانية، وعسانا أن نلتقي به في الفردوس الأعلى من الجنة بأمر الله تعالى.
وبعد دفنه مباشرةً في مقبرة المعلا فجر اليوم الثلاثاء عاد إلى مخيلتي وبسرعة شريط الذكريات الجميلة معه رحمه الله رحمة واسعة وتحديداً بعد التخرج من المرحلة الثانوية وحرصه الشديد على التحاقي بإحدى الكليات العسكرية قبل أكثر من 35 عاماً ومتابعته الحثيثة فقد كان يتواصل معي كأحد أبنائه تماماً نظراً لسفر والدي حفظه الله خارج الوطن، ولظرف صحي لم يُكتب لي القبول النهائي، وهاتفني بعدها وأشار علي بالتوجه في الحال إلى شركة (سمارك) آنذاك لتقديم ملفي فأخبرته أنني التحقت بكلية المعلمين بمكة المكرمة فبارك لي القبول ودعى لي بالتوفيق والسداد. هذا غير وقفاته الأخرى التي لا تُنسى في كل الأحوال. وما يُعوضنا شيئاً من رحيله المؤلم هو وجود رجال من بعده يحملون اسمه الغالي وعلى قدر عالٍ من مكارم الأخلاق وحُسن الأدب.
كل الدعوات الخالصة للمولى عز وجل أن يرحم والدنا الفاضل محمد بن نامي الحربي وأن يتوب عليه ويتجاوز عنه ويسكنه أعلى الجنان، وأن يرزق أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.






