يبدأ مسار الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي من إيمانٍ عميق بأن القيادة ليست ممارسة سلطة بل بناء وعي وصناعة معنى فقد تعامل مع الحكم بوصفه مسؤولية معرفية وأخلاقية قبل أن يكون موقعًا سياسيًا فحوّل إمارة الشارقة إلى نموذجٍ عربي نادر تتقدّم فيه الثقافة على الضجيج ويعلو فيه العقل على الشعارات
ينطلق فكر سلطان القاسمي من التاريخ لا بوصفه سردًا للماضي بل باعتباره أداة لفهم الحاضر وصناعة المستقبل فكتب وبحث ونقّب في الأرشيفات العالمية ليستعيد الحقيقة من بين الركام الاستعماري ويعيد للتاريخ العربي صوته المغيّب فكانت مؤلفاته التاريخية شهادة علمية على أن المعرفة حين تُمسك بالوثيقة تتحرر من التوظيف وتستعيد صدقيتها
يمارس الشيخ سلطان سياسته بهدوء العارف لا بعجلة المتصارعين فجعل الإنسان محور القرار ورأى في التعليم والثقافة والعدالة الاجتماعية ركائز الاستقرار الحقيقي فبنى الجامعات ورعى البحث العلمي وحمى الهوية دون أن يصطدم بالعصر أو يخاصم العالم بل قدّم نموذجًا لدولةٍ تصالح بين الأصالة والانفتاح
تتجلّى دبلوماسيته في ثقافة الحوار لا في لغة المصالح الضيقة إذ اختار أن يخاطب العالم بالكتاب والمخطوط والجامعة فأسس مراكز للدراسات العربية والإسلامية في جامعات عالمية وفتح أبواب المعرفة المتبادلة بين الشرق والغرب مؤكدًا أن الثقافة أقدر من السياسة على بناء جسور الفهم والاحترام
يمتد أثر إنجازاته من المتاحف والمراكز البحثية إلى مجمع القرآن الكريم في الشارقة الذي يجسّد رؤيته للعلم بوصفه عبادة وللمعرفة بوصفها رسالة وتظل هذه المشاريع شاهدًا على قائد يرى في الذاكرة الحضارية ركيزة للنهضة لا عبئًا على الحاضر
يقدّم الشيخ سلطان القاسمي في زمن الاضطراب مثالًا لقيادة أخلاقية هادئة تحكم بالعقل وتبني بالعلم وتحاور بالثقافة فتصبح الدولة مشروعًا إنسانيًا لا مجرد كيان سياسي وتتحول السلطة إلى رسالة تتجاوز الجغرافيا وتخاطب التاريخ والإنسان معًا.




