المقالات

جامعة تصنع الصمت

تنهض الجامعات حين تجعل من السؤال قيمة ومن الحوار ثقافة لا حين تكتفي بتكديس المقررات وصناعة الشهادات فالجامعة في جوهرها عقل جمعي يتشكل فيه معنى الاختلاف وحدود الحرية ومسؤولية الكلمة وامتحانها الحقيقي هل تربي طالبا قادرا على التفكير والنقد أم تخرجه متقنا لفن الصمت والنجاة من الرأي

ليست الجامعة مؤسسة معرفية محايدة بالمعنى القيمي فكل منهج يختار زاوية وكل معيار تقييم يعكس تصورا عن الصواب والجدوى ولذلك فهي فاعل قيمي مؤثر والخطر ليس في حضور القيم بل في ممارستها دون وعي حين تتخفى خلف حياد لفظي وتنتج انحيازا خفيا يضيق على السؤال ويعيد إنتاج السائد

في كثير من البيئات الجامعية يكافأ الامتثال أكثر من الجرأة الفكرية فيتعلم الطالب أن الإجابة المضمونة أقل كلفة من النقاش وأن الصمت المهذب أكثر أمانا من السؤال القلق فيتحول الحوار إلى شعار إداري لا ممارسة معرفية وتفقد الجامعة أحد أدوارها الأساسية في بناء العقل النقدي

ويغدو الرأي المختلف عيبا حين تغيب ثقافة إدارة الاختلاف وحين تفسر الأسئلة بوصفها تشكيكا لا بحثا وحين تهيمن حساسية مفرطة تجاه النقد فتتسع مساحة الوصم وتضيق مساحة الحجة ويخسر الحرم الجامعي قدرته على التجدد

أما صناعة طالب يتقبل النقد دون أن ينكسر فتبدأ من الفصل بين الفكرة وصاحبها ومن تحويل النقد إلى أداة تحسين لا إقصاء ومن تدريب عملي على الاستماع وبناء الدليل واحترام المخالف داخل بيئة تعليمية آمنة لا تعاقب السؤال ولا تسخر من التجربة

كما تفقد الأنشطة الطلابية معناها حين تختزل إلى واجهة تزيين فتكثر الصورة ويقل الأثر بينما جوهرها أن تكون مختبرا للحوار والمسؤولية والمبادرة

الجامعة التي تحسن إدارة الاختلاف تؤسس لمعرفة حية ونهضة قابلة للاستمرار لأن المعرفة لا تتقدم بلا مساءلة ولا يشتد عود الطالب بلا نقد منضبط وتحويل الحوار من شعار إلى ممارسة يومية محكومة بالإنصاف هو الطريق لجامعة تصنع عقلا حرا وطالبا قويا يختلف دون أن يدان ويقبل النقد دون أن ينكسر

أ. د. عائض محمد الزهراني

نائب الرئيس لإتحاد الأكاديميين والعلماء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى