المقالات

تسلل إسرائيل عبر المناطق الرخوة لتطويق السعودية

عندما تقترن الجغرافيا بالإرادة السياسية والقدرة الاقتصادية يظنون انها يمكن أن تتحول إلى أداة نفوذ استراتيجي قادرة على مواجهة الجغرافيا السياسية السعودية، الممتدة ليس فقط الجغرافي بل القومي والإسلامي والمهيمنة على الممرات والتحكم فيها، ما يجعلها قادرة على إعادة هندسة الممر الاقتصادي الهندي الذي كان يمر بحيفا، ولكن بشرط أن توافق إسرائيل على إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، فيما إسرائيل تصر على التطبيع الذي ترفضه السعودية، باعتبار أنه لا ينهي الصراع في المنطقة، ما لا تدركه إسرائيل وكل من يود تحجيم الدور السعودي وبشكل خاص الاقتصادي، تستطيع السعودية هندسة الممر نفسه بما ينعكس على نقطة الإرسال ونقطة الاستقبال المحتملة في إسرائيل، وهناك في النقطتين يمكن تعديل مسار الممر، او نقله لمراكز ثقل لوجستية أخرى يعيد توزيع الأدوار وتنقلها إلى اطراف أخرى، هناك بدائل لميناء حيفا عبر ميناء السخنة في مصر، وعبر الأردن لتنفيذ الممر الهندي إلى أوروبا.

ما يحدث في جنوب اليمن، وتوجه السعودية إلى حسم المشهد لصالح الشرعية اليمنية، أدى إلى سقوط الرهان الإسرائيلي الذي كان يستقوي به الانتقالي بوصف إسرائيل بوابة إلى القرار الأمريكي، وممرا للهيمنة على جنوب البحر الأحمر، فهو بمثابة انهيار استراتيجي إسرائيلي كامل بني على فرضية خاطئة، وكذلك انتهاء وهم الانتقالي وغيره في الرهان على إسرائيل، كانوا يعتقدون ان التحالف مع إسرائيل سيعطيهم نفوذا داخل واشنطن، وغطاء استراتيجيا للتوسع في اليمن وموانئه وممراته، لأنها أدوارا تتجاوز وزنها الطبيعي، وفي نفس الوقت ظنوا أنهم قادرون على تهديد المشاريع التنموية السعودية العملاقة، رغم ان مشاريع السعودية العملاقة تتكامل مع مشاريع المنطقة وليست مشاريع للقضاء على المشاريع المنافسة كما يظن أصحاب هذه المشاريع، خصوصا وان إسرائيل توظف الشركاء والوكلاء.

غاب عنهم أن القرار الأمريكي في الخليج لا يزال سعودي المركز، جعلهم يدفعون كلفة سياسية ومالية ضخمة، فيما ظلت إسرائيل لاعب ظل ينسحب نحو الخلف خطوة بل وخطوات تتريث إلى أن تحين الفرصة المناسبة وهي تتبع الهوامش والمناطق الرخوة كاعترافها بصومالي لاند، لكنها اصطدمت ليس فقط بالسعودية والدول العربية والإسلامية بل اصطدمت بالاتحاد الأوروبي وحتى أمريكا عندما رفض ترمب الاعتراف بصومالي لاند أو تأييد إسرائيل، لأن إسرائيل تدرك أنها لا تستطيع مواجهة السعودية، بل في نفس الوقت لا تود خسارتها، كما خسر الانتقالي كل مكتسباته بعدما تخلت دولة الإمارات عنه عندما استجاب لمطالب السعودية بوقف الدعم العسكري والمالي عن الانتقالي، لأنها هي الأخرى لا تود مواجهة مع السعودية، وهذا أول اختبار حقيقي على الأرض تولته السعودية بعد فشل جهود دبلوماسية، واعادت الأمور إلى نصابها، وأخرجت مليشيات الانتقالي المدعومة إماراتيا من حضرموت والمهرة بتعاون سعودي عماني.

لم يعد جنوب اليمن بعد اليوم ساحة مكشوفة للمناورة، ولم تعد ساحة أطماع في السيطرة على الموانئ والجزر وعلى رأسها جزيرتي سقطرة وميون في باب المندب والتحكم في مضيق باب المندب بحجة مواجهة الحوثي لتأمين ممرات البحر الأحمر، ولن يقنع السعودية ولا الدول الغربية، فيما النوايا الحقيقية بناء نفوذ بحري يخدم إسرائيل بالتحالف مع دولة الإمارات المطبعة معها لتطويق السعودية.

بذلك أعادت السعودية تثبيت معادلة امن الخليج، وأمن ممرات البحر الأحمر خصوصا عند قيامها بتدريبات الموج الأحمر 8 في نوفمبر 2025 المختلط بمشاركة القوات البحرية والبرية والجوية فقط للدول المتشاطئة على البحر الأحمر، بمشاركة السعودية، مصر، الأردن، السودان، جيبوتي، اليمن، ولم تشارك القوات البرية التابعة لغير الشرعية اليمنية منها قوات طارق صالح وقوات العمالقة.

هذه التدريبات جعلت البحر الأحمر مختبرا لفلسفة ردع حديثة، وأن الشراكات لا تبنى بالتصريحات بل بالمناورات المركبة على أمواج لا تعرف المجاملة، ومن يملك القدرة على حماية المسارات البحرية يمتلك مفاتيح الاستقرار في زمن سلاسل الإمداد المرهقة وتقلبات الطاقة، التدريبات المشتركة بين الدول المتشاطئة كتبت فصلا جديدا في معجم الردع الإقليمي الحديث، وهو نقطة انعطاف في تبلور مفهوم إقليمي لأمن البحر الأحمر يزاوج بين الردع والمرونة، ويخضع البحر لقواعد انضباط تحمي الجميع، وأمن الشرايين البحرية لا يشترى من الخارج، في مياه يراد لها أن تبقى جسرا بين القارات لا ساحة فوضى، فبدلا من أن تطوق إسرائيل السعودية منعت السعودية إسرائيل من الهيمنة على ممرات البحر الأحمر.

تشعر إسرائيل بعد إعادة رسم المشهد في جنوب اليمن وسقوط الوكيل الانتقالي أنها خسرت أداة تنفيذ متقدمة في جنوب البحر الأحمر، وتراجع حلم تطويق السعودية، وانكماش أي تمدد، ولن يكون القرن الأفريقي بديلا لجنوب اليمن خصوصا بعدما أدرك الجميع أن إسرائيل ليست ضمانة لمن يحاول القفز على الجغرافيا السعودية، وان السعودية تظل مركز الثقل الإقليمي وصاحبة الكلمة النهائية في أمن الجزيرة العربية والمنطقة وأمن ممرات البحر الأحمر.

ما حدث في جنوب اليمن على يد السعودية يثبت بأن الدول الصغيرة مهما امتلكت من فرط قوة عسكرية أو اقتصادية غير قادرة على منافسة دولة بحجم السعودية ثقلا ومكانة.

• أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى بمكة سابقًا

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى