في حيّ المعابدة، وإلى جوار قصور السقّاف، كان هناك مقهى شعبي وموقف سيارات كبير يعجّ بالحركة، وبأصوات الناس وبارتطام السيارات الذاهبة إلى جدة والطائف.
في المقهى التقطنا الأنفاس، وعلى براد شاهي «أبو أربعة» رحنا نتأمل المشهد وكأن أم القرى فيوض من نور تتماهى على الطرقات، وصوت المنادي الذي يشبه حادي القافلة يدعو المسافرين للرحيل.
ركبنا سيارة «بيجو» أنا ورفاقي الأربعة، وانطلقنا نحو الطائف.
يسبقني إلى «المأنوس» الشغف وخيالات مدينة لم أرها من قبل…!
من النافذة كنت أذرع المسافات، وأعانق الأماكن، وأبحث في كثير منها عن إجابات الأسئلة.
وهذا «نعمان» الوادي والتلال وسلاسل الجبال يداعب شمس الأصيل، وحبات الرمال كأنها تستنطق الصمت المخيّم علينا لتحدّثنا بأنه من هنا كانت دروب القوافل، ومن هنا مرّ التاريخ بأسماء ووجوه وأحقاب، ولا تزال هناك في الشاطئ الغربي من الوادي بقايا شواهد من درب زبيدة.
تطوي السيارة الأرض طيًّا، نعبر إلى سفوح «الكَرّ»، ثم راحت تتبدّى لنا تلك الحكاية المدهشة.. طريق معبّد يخترق سلاسل جبال الهدا الضخمة، هذا يشبه الخيال بالنسبة لي، لم أشاهد مثله من قبل.
في قمة الهدا عانقنا الضباب وزخّات المطر والأجواء الباردة…!
وعلى المشارف بدا الطائف وكأنه عروس من أقحوان.
الأشجار والأنوار والرواشين والشرفات وحدائق الورد، وهي تعانق القادمين بأنشودة عطر طائفي.
بخطوات مرتجفة صعدنا إلى مقاهي «بور سعيد».. احتضننا البرد وسكون أول مساء ووقع حوافر الخيول وهي تتراقص على وجوه الأرصفة.
من سطوح المقهى في الصباح كنت أتأمل قرص الشمس وساحات المدينة ووجوه العابرين وشموخ «شبرا» وبدايات حلم أستشرفه من بعيد…!
حملنا حقائبنا واتجهنا إلى «الشرقية».. الحي الذي لا يعرف ضجيجه التثاؤب، الدكاكين والمقاهي والمنشية وحركة الناس في كل اتجاه، ونداءات أهل «البرشومي» وصراخ الصغار وهم يلعبون «البرجون» في الأزقة الترابية.
وحتى الزوايا تشعرك بأنها عيون لا تطبق الأجفان…!
استأجرنا بيتًا شعبيًا في أعلى الحي، ومن بين جدران الحجر والطين استكانت في داخلي بدايات حياة جديدة، ومرحلة جديدة، وحلم جديد، وبقايا غربة لا تزال تسكن القلب.
لكن طيفًا جميلًا بدأ يتشكّل مع الزمن ويمنح الذات نفسًا أعمق مع كل التفاصيل العذبة داخل الحي والمدينة.
ويا الجمال تلك «العصاري» على ضفاف وادي وج، حيث بساتين «القمرية» وجداول المياه المنسابة وأصوات مواطير الماء وفضاء ماتع للمذاكرة أيام الاختبارات.
في هذه الأجواء كنا نسير بثبات…!
الحي كان بيتنا الكبير بكل تفاصيله المجتمعية الجميلة.
ومركاز «ابن عايض» في وسط الحي له نبض مختلف.
وجه صبوح وابتسامة صافية، وبين برديه هدوء وحكمة وتنوير.
والجلاس من حوله يحيطونه بشغف ويملؤون المكان بأحاديث لا تنقصها الحميمية والوقار…!
الذكريات قد تشيخ لكنها لا تموت،
وبقايا ذكرياتنا لا تزال حيّة تسكن ثقوب الزمن.
بين الفينة والأخرى أزور «المأنوس»
ذات الأماكن بكل تفاصيلها.. الأحياء الشعبية، البيوت القديمة، الأزقة الضيقة، الواجهات المتعبة، أعمدة النور المثقلة بهموم العابرين.
لكن الزمن غير الزمن،
والوجوه غير الوجوه،
والغربة تسكن كل الزوايا،
فكأننا لم نمرّ من هنا،
أو كأنه هو لم يمرّ ما بين مساماتنا في ليلة برد..!
