«جواهريات»
استعارت من الخيال رحابته، ونادت بالعقل أن تأمل وتفكر، تلك رواية حي بن يقظان لابن طفيل الأندلسي. ذاع صيتها أقطار الأدب العالمي، واستمد المؤلفون من فحواها قصصًا مرئية لاقت رواجًا واسعًا.
تحكي القصة عن شخص اسمه حي بن يقظان تربى بين أحضان ظبية وجدته_ عندما كان رضيعًا _ مُلقى أمام أمواج أوصلتْ الرضيع إلى مكان بعيد عن الماء. فتعهدته الظبية بالرعاية، ولازمته لزوم الأم لابنها لاسيما أنها فقدت صغيرها، فحنت عليه وكانت ترضعه، ومتى ظمأ أوردته إلى الماء، ومتى أسقطت عليه الشمس حرارتها غطّت جسمه الضعيف، ومتى اشتد البرد عليه جعلته يتدفّى بين أكنافها، وأخذت تُعلّمه طقوس الحياة التي تعيشها حتى عاشها كما لو أنه واحد من هذه الظباء، وتمتدت أحداث الرواية بكل فصولها ومافيها من تقلبات وتحولات إلى أن كبر حي بن يقظان في بيئة تستلزم منه كل تساؤلات العقل بين الحين والآخر، من أنا؟ وما كل هذا ؟ ولماذا هذا وذاك؟ وما الحكمة من هذه وتلك ؟
سيرى القارئ للرواية أنها تزخر بالمفردات حيث تنبئ عن الكم الهائل من المشاهدات التي يعقبها تأمل وتفكر، وفي جملتها آتي لكم ببعض هذه العبارات ( كان ينظر إلى جميع الحيوانات ، ثم يرجع إلى نفسه، وكان يرى أترابه من أولاد الظباء، لم ير في نفسه شيء من ذلك، وكان الذي أرشده، فاعتقد من أجل ذلك، جزم الحكم، أجمع على البحث، واقتصر على الفكرة في ذلك الشيء، فقال في نفسه، وبقي يتفكّر، وظهر له بهذا التأمل، ثم أنه تأمل جميع الأجسام حيها وميتها، ثم تفّكر ، ثم أنه تتبع الصور، ثم أنه بقوة نظره وذكاء خاطره، ومازال يتصفح حركة القمر، ومازال يتفكر عدة سنين . . . )
الرواية مليئة بالمفردات التي تفسر حالة التأمل ، وما عاشه حي بن يقظان، وكلها عن طريق استخدام العقل بدءًا بالملاحظة والتجريب فإصدار الحكم، فذلك هو المنهج التجريبي الذي يرمي إلى استنتاجات عقلية، يبدأ بالملاحظة وينتهي بالاستنتاج، هو في حد ذاته مِران للحواس فهي تكشف والعقل يتفكّر ويجرّب ويصدر أحكامًا، فالشيء هو ذلك الذي تُوجَّه له البصائر، والمرء هو المُبصرُ المُتبصَّر، كلاهما بين آخذٌ ومُعطي، الشيء يعطي المرء حالته ومادته ويأخذ من المرء استكشافًا وأحكامًا،
فكل هذي المشاهدات التي انتهت إلى استنتاجات عقلية حتمية هي مذكورة في الآيات سلفا، وكلها آتية من بعد تفكّر ذُكر في آيات الله بمفردات كثيرة ( يتفكّرون، يتدبّرون، يعقلون، يتذكّرون، ينظرون) وهذا من نص القرآن الكريم حينما أنزل من ربّ السماوات والأرض، فهو دأب الأنبياء حيث كانت عبادة التفكّر حاضرة الموقف فيما تراه العين وتبصر، فيتحرك العقل ويدوّي في القلب صوت تأملات عن خالق هذا الكون تعالى وجلّ في عُلاه،
وعلى المرء تدبر المشاهدات حوله بعقل يقظ وقلب حذِق، ويتيقن تمام اليقين أن القرآن أنزل من الآيات مافيه إشارات واضحة وحكمة لقوم يعقلون، فالعقل يؤمن بالنقل والنقل لا يتعارض مع العقل، على ضوء هذا يتجلّى أمامنا قول شيخ الاسلام ابن تيمية( العقل شرط في حصول العلم وكمال العمل، لكنه ليس مستقلا بنفسه. بل هو كقوة البصر في العين؛ فإنه لا يرى إلا مع ضوء الإيمان والقرآن، كما أن العين لا ترى إلا مع ضوء الشمس أو النار، فإذا انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن إدراكها)
الرواية تستحث القارئ لأن يكون يقظًا في عقله، متيقنًا في قرارة نفسه أن المشاهدات إنما هي سبيل للاستنتاجات العقلية، وأردتُ هنا أن أجمع بين الرواية وما تنقله من قصة مرادها التعقّل و التبصّر للوصول إلى المراد، إلى يقين أن هذه الاستنتاجات مذكورة في كتاب الله، إلى قضية ذكرها ابن تيمية حول درء تعارض العقل مع النقل.
فحريٌّ بنا الجمع بين الأمور جمعًا يعطي من الدلائل ما يظهرها بمعنى مختلف، وأردت من القارئ أن يقرأ رواية حي بن يقظان بمنهج مختلف.





