لا جرم أن تراكمات الفوضى الفكرية ليست وليدة اليوم، بقدر ما تعاقبت على تأسيسها وبثّها ودعمها جهود متعددة، أورثت إرثًا فكريًا فوضويًا واسع النطاق، في سلسلة منتظمة ومترابطة من الانحرافات، يأخذ بعضها بحجز بعض عبر مسارب الزمان والمكان، واتسمت بخصائص متنوعة أكسبتها عنصر البقاء والتجدد؛ بدأت بدعم المؤسسين والرعاة، انطلاقًا من إطار الفردية في الابتداء إلى لبوس الجماعة المنظمة في الانتهاء، والتي احتضنتها هيئات ومؤسسات ومراكز.
ولست هنا بصدد مقام التكرار، أو جلد الذات، أو البكاء على الأطلال، أو رفع شعارات جوفاء، أو الهروب من الواقع المأزوم، وإنما أطرح رؤية فكرية متواضعة، لعلها تفتح كُوّة أمام الأكفاء لإصلاح الخلل وتجاوز الزلل. ولا يعني ذلك قلب ظهر المجنّ لجهود السابقين الذين أبلوا بلاءً حسنًا في إزالة تراكمات الفوضى الفكرية في زمانهم ووضع الأمور في نصابها، ولا سيما حينما تحالف السنان والبيان، وبلغ غايته وأتى أكله بإسباغ جمال التجديد الشامل بلسان حال البيان ودعم بأس السنان، وهما الجناحان الذهبيان اللذان تطير بهما النهضة الفكرية الإسلامية في الأجواء النقية، وفي إطار عالم من الإبداع بكفاءة واقتدار.
ولا ينفي ذلك وجود الجهود المضادة، كما قال الشاعر:
متى يبلغُ البنيانُ يومًا تمامَهُ
إذا كنتَ تبنيه وغيرُك يهدمُ
إذا كنت تبني وغير يهدم
فكيف ببانٍ خلفه هادم
وتلك سُنّة الصراع بين الحق والباطل حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولكن العاقبة للحق دومًا.
وأولى الخطوات التي تستلزم نفض غبار الفوضى الفكرية ما يلي:
1- ضرورة التجديد العلمي الأصيل الذي يغطي جميع جوانب الفكر العربي والإسلامي، تحقيقًا لقول النبي ﷺ:
(إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)، وهو خبر يفيد الأمر والتكليف، ولا يُنتظر وقوعه من ضربة لازب.
2- إعادة النظر في مناهج التعليم الشرعي التي تؤهل الكوادر علميًا وتدريبًا، وتضمن تخريج العالم الفقيه الكفء المتدرب.
3- إيقاف فوضوية الفتوى، ولا سيما ما يتصل بالسياسة والأمن والاقتصاد، وفرض عقوبات صارمة على من يطعن في المذاهب الفقهية وإعلامها.
4- إيقاف الخلافات الدعوية، وإسناد الفصل فيها إلى دار الإفتاء وهيئة كبار العلماء.
5- فتح باب الاجتهاد الجماعي المؤصّل الرصين، الذي يقدم نظريات فقهية شاملة، ولا يقتصر على الفتاوى الجزئية.
6- إنهاء الصراع على الهوية الحضارية الذي أقعد العرب عن النهضة، وتجاوزته أمم وثنية رغم وثنيتها وشركها.
7- إشاعة منظومة التكامل بين الأطراف الفكرية، واحترام التخصص، وقطع دابر تهم التخوين والتكفير والتبديع والعمالة.
8- تأسيس ودعم مراكز بحثية مستقلة لا تخضع للمساومات والمحاور السياسية والكيدية، تُعنى بتقديم نظريات مؤصّلة صالحة للتطبيق ومعالجة المعضلات، وتسحب البساط من تحت النظريتين الرأسمالية والاشتراكية، وتكون بديلًا عنهما في الواقع العربي والإسلامي في جميع المجالات.
9- لا غنى عن تدخل الجهات الحكومية في العالم العربي والإسلامي للجم تيار الزندقة والهرطقة والتجديف، الذي يُعد البوابة المفتوحة للفوضى الفكرية والعقدية والأخلاقية والسياسية والأمنية.
ولنتذكر موقف الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين وقف بشجاعة وحزم أمام تيار الردة الذي عمّ الجزيرة العربية كلها إلا المدينة ومكة والطائف، كما لا يغيب عن الذهن موقف الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قمع تيار الشبهات في موقفه مع صبيغ العراقي، وكما حارب الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه الخوارج باللسان والسنان.
وكل هذه العوامل، متى أُخذت بتوازن وتكامل، كانت كفيلة بلجم جماح الفوضى الفكرية عاجلًا وآجلًا.
فهبّوا سراعًا نحو نهضة فاعلة
إلى نهضةٍ عصماءَ بالصدرِ والوردِ
بالعلم لا بالجهل منطلقًا
تميط لبساً وتنهى عن الضد
لنعرف أقدارًا تسامت بعلمها
فما قصروا يومًا ولا صدّوا عن الحدِّ
وأسلموا الجيل إبداعًا ومنقبةً
وإرثًا معلى بالكرامة والمجدِ
ولم يبقَ إلا سعيُ صدقٍ مؤصَّلٍ
يعيد حضاراتٍ ويُزجي على المدى
ولا بد من قمعٍ لمنهجٍ فاسدٍ
يشوّه إسلامًا ويحفل بالحقدِ
ويزرع شنآن العداوة بيننا
ولا يرعوي يومًا عن الحرب والصدِّ





