المقالات

الجامعة والضمير العلمي

تتحمّل الجامعة مسؤولية أخلاقية كاملة حين تسمح بأن يُفرَّغ التحكيم الأكاديمي من معناه، وحين يُدار باسم اللوائح ما يُناقض جوهر العلم. فالتحكيم ليس إجراءً روتينيًا، ولا سلطة صامتة تُمارَس من خلف المكاتب، بل فعلُ عدالةٍ يمسّ مصائر علمية ومهنية، وأيّ خلل فيه هو خللٌ مباشر في صميم الضمير المؤسسي.

وتقع المسؤولية صراحةً على كل من قبل مهمة التحكيم دون أهلية علمية كافية، أو دون استقلال أخلاقي، أو دون إلمامٍ دقيق بالأنظمة. فقبول التكليف بلا كفاءة ليس خدمة، بل إساءة، والإصرار على الموقع بلا قدرة على العدل ليس اجتهادًا، بل تعدٍّ صريح على العلم، ولا يُغيّر من ذلك شيءٌ أن يكون الخطأ مغطّى بإجراء نظامي أو توقيع رسمي.

وتُدان كل ممارسة تُدار فيها القرارات بمنطق الأسماء لا بمنطق النصوص، وبالاعتبارات الشخصية لا بالمعايير العلمية. فالمكانة الوظيفية، والعلاقات، والتاريخ الإداري، لا تمنح أحدًا حق تجاوز جودة البحث وأصالته ومنهجيته. وكل قرار يُمنَح بغير استحقاق، أو يُحجَب ظلمًا، هو قرار فاقد للشرعية الأخلاقية، مهما بدا سليمًا في شكله الإجرائي.

وتبلغ المساءلة أقصاها عند التساهل مع الزيف الأكاديمي، وفي مقدّمته تمرير أبحاث لم يُنجزها أصحابها فعليًا، أو التغاضي عن تفويض الجهد البحثي لآخرين، سواء عبر الاستكتاب المأجور، أو شراء الأبحاث، أو إعادة تدوير أعمال الغير بأسماء مختلفة. فهذه ليست مخالفات فردية، بل فساد معرفي مكتمل، يُكافئ المال أو النفوذ، ويُقصي الجهد الحقيقي، ويُحوّل الترقية إلى جائزة على التحايل لا على الاستحقاق.

كما يُدان بوضوح أي تهاون مع الانتحال أو السرقة العلمية، أو أي تعامل شكلي مع أدوات كشف التشابه. فتمرير بحثٍ مسروق أو مشكوك في أصالته ليس خطأً إداريًا، بل خيانة مباشرة للعلم، وطعنٌ في مصداقية الجامعة، ورسالة ضمنية بأن الرداءة مقبولة متى ما أُحسن تغليفها.

وتُحمَّل المسؤولية كذلك لكل تسويفٍ إداري بلا مسوّغ، ولكل احتجازٍ للملفات، ولكل تأخيرٍ متعمّد في القرارات. فالزمن الأكاديمي جزء من الحق، وتأخير الحكم ظلمٌ لا يقلّ فداحة عن الحكم الجائر. والشفافية في تسبيب القرارات واجب لا خيار، ومن يتخلّى عنها يضع نفسه موضع مساءلة أخلاقية صريحة.

إنّ الجامعة التي لا تُحاسِب ذاتها علنًا تُشرعن الزيف، وتكافئ الرداءة، وتفقد ثقة المجتمع. ويبقى السؤال الذي لا يجوز الهروب منه: من يعمل حقًا؟ ومن يوقّع فقط؟ فحيث لا تُواجَه هذه الأسئلة بشجاعة، لا علم يُصان، ولا جامعة تُحترم، ولا مستقبل يُؤتمن.

أ. د. عائض محمد الزهراني

نائب الرئيس لإتحاد الأكاديميين والعلماء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى