المقالات

يمضي الخليج بالحكمة ويشد زمام التوازن

العواصف الكبرى امتحان الدولة العاقلة فلا تقاس قوة الدول بعلو الصوت بل بعمق الرؤية ولا بحدة الموقف بل بقدرتها على حماية مجالها الحيوي ومنع الانزلاق ومن هذا المنطلق تتبنى المملكة العربية السعودية ومعها مجلس التعاون لدول الخليج العربية سياسة تقوم على ضبط الإيقاع وتحصين الداخل وتقديم الاستقرار على صخب المغامرة

تقف المنطقة اليوم على تخوم اشتباكات مفتوحة ومع اتساع رقعة التوتر تصبح الأولوية حماية الأمن الوطني وصون أمن الطاقة وتأمين الممرات البحرية وضبط المجال الجوي ومنع تحويل أراضي الدول إلى منصات رسائل عسكرية متبادلة وهذه المقاربة لا تعني حيادا سلبيا بل تعني إدارة التوازن بحسابات دقيقة تجمع بين الردع والتهدئة وبين حماية المصالح وتجنب التورط في صراعات لا تنتج أمنا ولا تراكم إلا كلفة واستنزافا

وتقوم هذه السياسة على مرتكزات عملية واضحة أولها تحصين الداخل ورفع الجاهزية عبر تعزيز منظومات الدفاع الجوي والإنذار المبكر وتكامل الأمن السيبراني وحماية المنشآت الحيوية والبنية التحتية ورفع كفاءة الاستجابة للطوارئ فالدولة التي تؤمن بيتها وتحكم إدارة مخاطرها تتفاوض من موقع قوة وتمنع خصومها من تحويل الضغط العسكري إلى إرباك اقتصادي أو اجتماعي وثانيها توحيد الموقف الخليجي بوصفه كتلة جيوسياسية واحدة قادرة على تحويل الوزن المتفرق إلى قوة ردع متماسكة من خلال تنسيق الرسائل السياسية وتكامل الخطط الدفاعية وحماية الحدود والمجالين الجوي والبحري وثالثها فتح مسار سياسي نشط يعمل على خفض التصعيد ومنع تمدد المواجهة لأن الحروب تبدأ بقرار سياسي ويمكن احتواؤها بإرادة سياسية حين تتوافر الرؤية وتتكامل الأدوات
إن الحذر من الانزلاق ليس ترددا بل وعي بالتاريخ ومسؤولية تجاه المستقبل فالدولة التي تضبط إيقاعها في زمن العواصف تحمي شعبها وتصون مصالحها وتمنع الجغرافيا من أن تتحول إلى ساحة استنزاف وحين تتقدم الحكمة على الانفعال يصبح الاستقرار خيارا استراتيجيا لا رد فعل وتغدو التنمية عنوان المرحلة لا ضجيج الصدام

أ. د. عائض محمد الزهراني

نائب الرئيس لإتحاد الأكاديميين والعلماء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى