“بعض الاشخاص عرفناهم صدفة ، أقنعونا أن الصدف احيانا وراءها سعادة و شعور يبقى طول العمر”.
بعض الأشخاص عرفناهم صدفة، دون مواعيد أو تخطيط، في لحظة عابرة تشبه أي لحظة أخرى، لكنهم يتركون في أرواحنا أثرًا لا يشبه العابرين. نلتقيهم وكأن الحياة كانت تمهّد لنا الطريق بصمت، وكأن الأقدار أرادت أن تقول إن ليس كل ما يأتي بلا موعد يكون عابرًا، فبعض الصدف تحمل في طياتها بذور سعادة تمتد جذورها عميقًا في القلب وتبقى ما بقي العمر.
الصدفة في ظاهرها أمر عشوائي، لا منطق يحكمها ولا سبب واضح يقود إليها، لكنها أحيانًا تكون أكثر حكمة من كل التخطيط. نلتقي شخصًا في مكان لم نعتد الذهاب إليه، أو في وقت لم يكن ضمن حساباتنا، فنكتشف لاحقًا أن هذا اللقاء غيّر شيئًا فينا. قد لا ننتبه في البداية، لكن الأيام تكشف لنا أن تلك اللحظة العابرة كانت بداية لشعور مختلف، لشكل جديد من الفهم، أو لطمأنينة لم نكن نعرف أننا نحتاجها.
بعض الأشخاص يدخلون حياتنا دون ضجيج، لا يأتون حاملين وعودًا كبيرة ولا كلمات منمّقة، بل يأتون ببساطة، بحضور صادق، وبقدرة غريبة على جعلنا نشعر أننا في المكان الصحيح. معهم يصبح الحديث سهلاً، والصمت مريحًا، وتغدو الأشياء الصغيرة ذات معنى. نضحك دون تكلف، ونبوح دون خوف، وكأننا نعرفهم منذ زمن طويل، رغم أن اللقاء الأول لم يكن سوى صدفة عابرة.
الجميل في هذه الصدف أنها لا تشبه العلاقات التي تُبنى على التوقعات العالية أو الخطط المسبقة. هي علاقات تنمو على مهل، وتكبر بصدق، وتثبت مع الوقت أن ما بدأ بلا ترتيب قد يكون الأكثر ثباتًا. هؤلاء الأشخاص لا يحاولون تغييرنا، ولا يفرضون أنفسهم على تفاصيل حياتنا، بل ينسجمون معها بسلاسة، فيصبح وجودهم جزءًا من يومنا، من أفكارنا، ومن نظرتنا للأشياء.
أحيانًا يكون أثرهم فينا أعظم من مجرد سعادة مؤقتة. قد يغيّرون نظرتنا للحياة، يعلّموننا كيف نخفف من قسوتنا على أنفسنا، أو يذكروننا بقيم نسيناها وسط صخب الأيام. وجودهم يمنحنا شعورًا بالأمان، كأن العالم أقل قسوة مما كنا نظن، وكأن الخير لا يزال حاضرًا في تفاصيل بسيطة، وفي قلوب أشخاص لم نكن نعرفهم من قبل.
واللافت أن هذه الصدف لا تكون دائمًا طويلة العمر من حيث الزمن، لكنها عميقة من حيث الأثر. قد يمر بعضهم في حياتنا لفترة قصيرة، ثم تفرّقنا الطرق، لكن ذكراهم تبقى حيّة. نتذكر كلماتهم في لحظات ضعفنا، ونستعيد مواقف جمعتنا بهم كلما شعرنا بالحنين. كأنهم جاءوا ليتركوا رسالة، أو ليمنحونا درسًا نحتاجه في تلك المرحلة من حياتنا، ثم يمضون بهدوء.
هناك أشخاص تقنعنا صدفتهم بأن الحياة أكثر لطفًا مما نعتقد، وأنها رغم قسوتها أحيانًا، تعرف كيف تعوضنا. تعلمنا أن لا نغلق قلوبنا خوفًا من الخذلان، وأن نمنح الفرصة للقاءات غير المتوقعة. فربما يحمل لنا الطريق شخصًا يعيد إلينا الثقة، أو يزرع فينا شعورًا جميلًا يرافقنا طويلًا.
ليست كل الصدف متشابهة، فبعضها يمر دون أثر، وبعضها يغيّر مسار الروح. والفرق لا يكون في الحدث نفسه، بل في الأشخاص الذين نلتقيهم، وفي صدق المشاعر التي تنشأ دون تصنّع. هؤلاء الذين أقنعونا أن الصدفة ليست دائمًا عبثية، بل قد تكون هدية خفية، تأتي في الوقت الذي نكون فيه أكثر حاجة لها.
في النهاية، ربما لا نستطيع التحكم في الصدف، لكننا نستطيع أن نؤمن بأنها تحمل احتمالات جميلة. أن نترك قلوبنا مفتوحة للقاءات غير المتوقعة، وأن نمنح بعض الأشخاص فرصة أن يكونوا جزءًا من حكايتنا، حتى لو بدأت حكايتهم معنا دون موعد. فبعض الصدف، فعلًا، تكون وراءها سعادة، وشعور صادق يبقى معنا طول العمر، يرافقنا كذكرى دافئة كلما تذكّرنا أن أجمل ما في الحياة قد يأتي دون سابق إنذار.


