المقالات

غبار العمل ولا زعفران البطالة!

هناك عبارة تقول: «غبار العمل ولا زعفران البطالة»، فالعمل هو غاية من غايات الإنسان، وأمر جليل يعيش الشخص من أجله ويبذل جهده لتحقيقه. وللعمل أهمية عظيمة في حياة الإنسان تؤدي إلى تغيير عاداته وشخصيته ومسار حياته كليًا. وقد تم تعريف العمل على أنه النشاط الذي يعتمد على بذل الجهد من أجل الحصول على المال، وكل الدلائل تؤكد أن الجد والإتقان هما الطريق الوحيد للنجاح والإنجاز.

ولا تقتصر أهمية العمل على توفير الدخل المادي لتحقيق حياة كريمة والاستقلال المادي فقط، بل تمتد لتشمل تعزيز الثقة بالنفس، واكتساب المهارات، وبناء العلاقات الاجتماعية، والمساهمة الفاعلة في تنمية المجتمع وتطوير اقتصاده.

وهنا أقتبس مقولة للكاتب والفيلسوف الفرنسي في عصر التنوير فرانسوا فولتير عن أهمية العمل في حياة الإنسان:
«إن العمل يبعد عن الإنسان ثلاثة شرور: السأم، والرذيلة، والحاجة».

شخصيًا، كغيري من أبناء ذلك الجيل، كنت أساعد والدي – رحمه الله – يوميًا وأنا في سن دون العاشرة في مصانع الطوب الأحمر التي يمتلكها، وفي مقهاه الشهير بشارع إبراهيم الخليل، قبل ذهابي إلى المدرسة الناصرية الابتدائية.

ولا يزال في الذاكرة، وأنا في المرحلة الابتدائية بحي «المسفلة»، أحد أشهر الأحياء في المدينة المقدسة مكة المكرمة، أنني كنت أتأمل جيراننا في الحي، فأجد فيهم النجار، والحداد، والطباخ، والبناء، والصباغ، والسمكري، والسائق، ومن يعمل في الزراعة في بساتين باخطمة والبوقري جنوب المسفلة، وغيرهم من أصحاب المهن اليدوية.

وكان اللافت للنظر أنهم في معظمهم من السعوديين أبناء البلد، ولم يكن أحد منهم يستحيي أو يشعر بالنقص أو الخجل أو الدونية من عمله، بل كانوا يفتخرون بإتقانهم لعملهم وتميزهم فيه، إلى درجة أن عددًا من العوائل المكية قد انتسبت إلى مهنتها، فكان في مكة بيت النجار، وبيت الحداد، وبيت الطباخ، وبيت السمان، وبيت البناء، وبيت السمكري، وبيت الحطاب، وبيت الفحام، وهكذا.

وبعدما أفاء الله سبحانه على بلدنا الحبيبة من خيرات وبركات، أمَّها كثير من أبناء الشعوب الأخرى، حتى وصلت العمالة الوافدة إلى أكثر من مئتي جنسية، لدرجة أن أصبحت بلادنا أشبه بمعهد عالمي للتدريب، تعلمت فيه العديد من العمالة الوافدة الكثير من المهن، ثم أسهمت بما استطاعت الإسهام به.

وفي تلك الفترة ابتعد بعض شبابنا عن ممارسة الأعمال المهنية، لكن من المهم هنا أن يعي الشاب السعودي حقيقة أن العمل الحر الحلال لا يعيب أحدًا، فقد كان أنبياء الله – صلوات الله وسلامه عليهم – يعملون بالرعي، والنجارة، والحدادة.

والجميل ما نشهده حاليًا من عودة قوية للشباب السعودي نحو الحرف والأعمال اليدوية، مدعومين بمبادرة «عام الحرف اليدوية» التي أطلقتها وزارة الثقافة، تشجيعًا لإحياء هذا الموروث المهم، ودعم الصناعات الوطنية، وتحويل الحرف التقليدية إلى موارد ومصادر دخل اقتصادية.

لقد وضع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – يحفظه الله – رؤية المملكة 2030، ولهذه الرؤية أهداف طموحة، لن نتمكن من تحقيقها ما لم نخض كل مجال، ونقتحم كل ميدان.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى