المقالات

همسُ البحر وصوتُ الحضارة

في لحظةٍ تتحد فيها عناصر الجمال، تتهادى نويبع على ضفاف البحر الأحمر، كقصيدةٍ كُتبت بماء الغيم، ووقّعها الأفق بحبر النور.
السماء متوشّحةٌ بالسحب، والموج يترنّم بنغمةٍ من صفاء، كأنّ الطبيعة ذاتها دخلت في تأمّلٍ عميقٍ لتستعيد معناها الأول: سكون الفكر، ونقاء الوعي، وهدوءُ الروح قبل ضجيج العالم.

لا ضوضاءَ تلوّثُ المكان، ولا صخبٌ يعكر نغم التأمل؛ كلّ شيءٍ هنا ينصت لصوت البحر وهو يهمس بالحكمة القديمة: إنّ الحضارة ليست ما نراه من صرحٍ أو زخرف، بل ما نحمله من ضوءٍ في داخلنا.

في هذا الصفاء البهي، اجتمع جمعٌ من القامات الفكرية والفنية، تماهت أرواحهم مع سكينة البحر واتساع الأفق. جاءوا يحملون رؤى الحضارة الإسلامية في أبهى تجلياتها: فكرٌ مستنير، وفنٌّ أصيل، وإبداعٌ يربط الإنسان بجذره الإلهيّ الأول، حين كان الجمال طريقًا إلى الله.

مؤتمر الحضارة والفنون الإسلامية في نويبع ليس فعاليةً عابرة، بل لحظة وعيٍ تستنطق الوجود، وتعيد تعريف الجمال كقيمةٍ روحيةٍ تتجاوز الزمان والمكان. هنا يصبح الفنّ صلاةً، والحوار عبورًا نحو إنسانٍ أكثر رهافةً، وأمةٍ أعمق رؤيةً، وحضارةٍ تعرف أنّ الإبداع هو أعلى درجات العبادة.

وهكذا، تكتب نويبع على صفحة البحر الأحمر رسالةً فلسفية خالدة:
أنّ الفنّ هو ضمير الحضارة، وأنّ الفكر حين يُصغي إلى صوت الطبيعة يكتشف ذاته في مرآة الجمال.

أ. د. عائض محمد الزهراني

نائب الرئيس لإتحاد الأكاديميين والعلماء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى