المقالات

نعمة الضوء

ثبت علميًا أن الضوء عبارة عن جسيمات كهرومغناطيسية تُسمّى «الفوتونات»، وهي تسير بسرعة تقارب ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية. وتسقط هذه الجسيمات الضوئية على الأشياء من حولنا، فيُمتصّ بعضها وينعكس بعضها الآخر، فتُمكّننا من رؤية الأشياء بأعيننا.

فكيف نرى هذا الضوء المنعكس من الأشياء؟

توجد خلايا حسية في شبكية العين تُسمّى «العُصيّات»، وعندما تتسلل الفوتونات الضوئية إلى شبكية العين تصل إلى هذه الخلايا الحسية، فيحدث تفاعل كيميائي ينتج عنه إطلاق إشارة كهربائية تنتقل عبر العصب البصري إلى الدماغ، الذي يقوم بتكوين الصورة التي نراها. غير أن هذه الصورة ليست هي الواقع ذاته، بل هي تفسير أدمغتنا لهذه الإشارات الكهربائية. وبعبارة أخرى، نحن لا نرى الضوء المنعكس بذاته، وإنما نرى تفاعل هذا الضوء مع أدمغتنا.

ويقول علماء الفيزياء إنه ليست هناك ألوان في الكون بذاتها، وإنما الموجود فوتونات ذات ترددات وطاقات مختلفة، يترجمها الدماغ إلى ألوان. فتردد الفوتون ذي الطاقة العالية يُترجَم في أدمغتنا إلى اللون الأزرق، وتردد الفوتون ذي الطاقة المنخفضة يُترجَم إلى اللون الأحمر. وعليه فإن اللونين الأزرق والأحمر هما وعيٌ دماغيّ وليسَا خاصية في ذات الأشياء.

والدليل على ذلك أن الإنسان المصاب بما يُسمّى «عمى الألوان» لا يرى ألوان الأشياء كما يراها الإنسان السليم؛ فالفوتونات المرتدة من الأشياء هي نفسها عند المصاب والسليم، لكن تفسير دماغ المصاب لها يختلف عن تفسير دماغ الشخص السليم. فتبارك الله أحسن الخالقين.

وقد حلّ هذا الاكتشاف الرائع لطبيعة الضوء وتردداته – بفضل الله ونعمته – كثيرًا من المشكلات، وقاد إلى تقدم علمي هائل في المجالات الطبية والهندسية والإلكترونية. ففي مجال الطب أدّت هذه الاكتشافات إلى اختراع أجهزة التشخيص الطبي مثل الأشعة السينية، والأشعة المقطعية، والرنين المغناطيسي، وكذلك إلى استخدام الأشعة في علاج الأورام والجراحات التجميلية وعلاج اعتلال الشبكية السكري.

وتُستخدم الأشعة السينية في الفحوصات الروتينية لكشف الكسور والتهابات الصدر والرئة ومشكلات الأسنان، لكنها لا تُظهر التفاصيل الصغيرة، خاصة في العضلات والأعصاب.
أما الأشعة المقطعية فهي نسخة مطوّرة من الأشعة السينية لكنها أقوى وأدق، حيث تأخذ صورًا مقطعية (شرائح) من الجسم تُجمّع لاحقًا في صورة واحدة، وتُستخدم في تشخيص الحالات المرضية في الأعضاء والأنسجة والعظام، وفي كشف النزيف الداخلي، خاصة في المخ بعد الحوادث. كما تُستخدم في تشخيص الأورام ومشكلات البطن والصدر والكسور المعقدة التي لا تظهر في الأشعة السينية العادية.

أما تقنية الرنين المغناطيسي فتعتمد على استخدام مغناطيس قوي جدًا وموجات راديو، وتُستخدم في تشخيص مشكلات العمود الفقري والدماغ والعضلات والأعصاب والغضاريف والمفاصل والأربطة، وكذلك الأورام التي لا تظهر في الأشعة المقطعية. ويستغرق هذا الفحص وقتًا أطول، ولا يمكن استخدامه مع المرضى الذين لديهم أجهزة معدنية في أجسامهم مثل الصفائح أو منظمات ضربات القلب.

إن هذا التعاون بين جنسيات مختلفة من العلماء في اختراع هذه الأجهزة لم يُنسب إلى شخص واحد، بل كان ثمرة جهود مشتركة بين علماء متخصصين في مجالات الطب، والفيزياء، والكيمياء، والهندسة. وكان الهدف من تطوير هذه التقنيات هو خدمة البشرية والاستفادة من قدراتها التشخيصية، لا التفاخر بها، بل هو في حقيقته تعبير عن قيمة العلم واستثمار الوقت فيما يعود بالنفع على جميع الأمم دون استثناء، بغضّ النظر عن الدين أو الثقافة.

ولا بد من الإشارة إلى أن علماء مسلمين قدامى بحثوا في مجالات الضوء والطب والكيمياء والهندسة، مثل ابن الهيثم، وابن سهل، والبيروني، والكندي، وابن سينا، والرازي، والخوارزمي، وابن رشد وغيرهم، لكنهم لم يلقوا التشجيع والدعم الكافي للاستمرار وبناء مدارس علمية لتطوير اكتشافاتهم، بل اتُّهم بعضهم بالزندقة والكفر، ولعلّنا نتذكر ما ورد في الأثر:
«من طلب المال بالكيمياء فقد تزندق أو أفلس».

ولا شك أن الجميع يتمنى أن يحذو أبناؤنا حذو هؤلاء العلماء فيخدموا أوطانهم وأمتهم العربية والإسلامية وسائر دول العالم. كما نتمنى أن يُدعَموا دعمًا واسعًا ماديًا ومعنويًا من قبل المسؤولين، فذلك من أولويات النهضة الحضارية.

وهناك نقطة مهمة جدًا، وهي أن الأموال التي تُنفق على البحوث التجريبية، حتى وإن لم تحقق نجاحًا فوريًا، لا تُعد هدرًا للمال، بل هي الطريق الحقيقي إلى النجاح والإنجاز.

أ.د. حسني بن أحمد مؤذن

أستاذ متقاعد من جامعة ام القرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى