السلوك الإماراتي الأخير تجاه المملكة العربية السعودية لا يمكن تفسيره بمنطق الدبلوماسية، ولا تسويغه تحت لافتة (تباين المصالح)؛ لأنه ببساطة انكشاف سياسي في ساعة الحقيقة ، وانزلاق خارج حدود الشراكة ثم أُريد له أن يُسوَّق تحت باب الحياد ، وهو في جوهره مراوغة محسوبة ، ومحاولة التفاف مكشوفة على مركز الثقل في المنطقة . السعودية ليست سطرًا عابرًا في بيان إقليمي ولا رقمًا يمكن القفز فوقه في خرائط النفوذ ، بل دولة تَشكّل حضورها عبر عقود من القرار السيادي والاستقلال الاستراتيجي ، وحملت أعباء الاستقرار حين فضّل غيرها السلامة ، ودَفعت أثمان المواقف حين اختار آخرون سياسة الانتظار . من يسيء قراءة هذا الثقل لا يخطئ التقدير فحسب ، بل يكشف ضيق الأفق وقصر النظر ، فالإشكال ليس في الاختلاف ، لأن الاختلاف بين الدول أمر طبيعي ، وإنما في الالتواء ، في ازدواج الخطاب ، في اللعب على الحبال ، في التحدّث عن الشراكة علنًا ثم ممارسة المناورة سرًا ، وفي محاولة كسب النقاط عبر إرباك المشهد لا عبر بناء موقف صريح. السعودية حين تختلف تُعلن ، وحين تتحالف تُصرّح ، وحين تتحرّك تفعل ذلك بلا أقنعة ولا رسائل مبطّنة ، وهذه ليست مجرد أقوال بل سلوك دولة تعرف وزنها وتدرك أن الغموض لا يصنع احترامًا. أما الرهان على تحجيم دورها أو تجاوزها بتحالفات ظرفية أو مناكفتها في ملفات تمسّ عمقها الاستراتيجي ، فهو رهان خاسر سياسيًا وأخلاقيًا ؛ لأن النفوذ لا يُبنى بالتشويش ، ولا يُستدام بالمواقف الرمادية ، ولا يُنتزع بمحاولات القفز على الجغرافيا والتاريخ . إن اصحاب القرار الإمارتي يدركون أن جميع الدول التي حاولت أن تصنع أدوارها على حساب السعودية انتهت دومًا إلى عزلة باردة وخسارة صامتة ؛ لأن القيادة لا تُستعار ، والسيادة لا تُدار من خلف الستار ، والثقل لا يُزاح بالضجيج . إن الذي يراهن على إضعاف السعودية أو إرباكها سيكتشف متأخرًا أن المنطقة لا تُدار بمنطق المناورة ، وأن التاريخ لا يحفظ أسماء المراوغين بل يطويهم. هذه ليست لغة تصعيد ولا بحثًا عن خصومة ، بل تصحيح مسار وتسمية للأشياء بأسمائها ، ومن أخطأ قراءة السعودية سيدفع ثمن الخطأ كاملًا سياسيًا ومعنويًا ؛ لأن الدول الكبرى لا تُختبَر، ولا تُدار بمنطق الارتجال السياسي ، ولا تقبل أنصاف المواقف حين تكون المصالح المصيرية على الطاولة
الأستاذ الدكتور / حسن بن محمد القرني – جامعة أم القرى





