مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يتجدد النقاش حول جدوى انتظام الدراسة بالحضور اليومي في المدارس والجامعات، في فترة تتغير فيها أنماط الحياة بشكل ملحوظ، وتختلف خلالها جداول النوم والعمل والالتزامات الاجتماعية والشعائر الدينية لدى المجتمع. وبالنظر إلى التقويم الدراسي، يتضح أن عدد أيام الدراسة الفعلية خلال شهر رمضان يكون محدوداً، إذ لا يتجاوز في الغالب عشرة أيام تقريباً، وهي مدة قصيرة تدعو إلى إعادة تقييم الأسلوب الأنسب لإدارة العملية التعليمية خلال هذه الفترة، خاصة في ظل الملاحظات المتكررة بانخفاض مستوى الحضور الطلابي خلال السنوات الأخيرة، نتيجة عوامل الإرهاق وتغير نمط الحياة اليومي المصاحب للصيام.
وقد أثبتت تجربة التعليم عن بُعد نجاحها إلى حدٍ كبير خلال جائحة كورونا، ليس لفترات قصيرة، بل على مدى عام دراسي كامل، حيث تمكنت المؤسسات التعليمية – مدارس وجامعات – من ضمان استمرارية التعليم، والمحافظة على مستوى مقبول من الانضباط والتحصيل العلمي، رغم ما صاحب تلك المرحلة من تحديات وظروف استثنائية. كما أثبت هذا النمط فاعليته بعد الجائحة في التعامل مع الحالات الطارئة، بما في ذلك التقلبات المناخية مثل الأمطار الغزيرة والسيول أو موجات الغبار، من خلال الحفاظ على انتظام العملية التعليمية وضمان استمراريتها دون تعطّل.
وانطلاقاً من هذه التجارب العملية، فإن اعتماد الدراسة عن بُعد خلال أيام شهر رمضان المحدودة يُعد خياراً تنظيمياً واقعياً، يراعي خصوصية الشهر الفضيل، ويحفظ وقت الطالب والمعلم، ويخفف الأعباء التشغيلية على الأسرة والمنظومة التعليمية، دون الإخلال بجودة العملية التعليمية أو أهدافها. كما يتيح هذا النموذج مرونة أكبر في تحديد أوقات الدراسة، بما يتناسب مع نمط الحياة الرمضاني، سواء في الفترات المسائية المبكرة أو المتأخرة، وهي أوقات قد تكون أكثر توافقاً مع مستويات التركيز والنشاط لدى شريحة واسعة من الطلاب مقارنة بالفترات الصباحية التقليدية.
ولا يقتصر هذا الطرح على كونه استجابة لظروف معاصرة أو نتاجاً لتطور تقني حديث، بل يجد له سنداً راسخاً في التجربة الإدارية للدولة السعودية منذ مراحلها الأولى. فقد أكدت مصادر تاريخية أن المملكة، خلال ثلاثينات وخمسينات القرن الميلادي الماضي، اعتمدت نظام الدوام الليلي لمؤسسات الدولة في شهر رمضان المبارك. وذكرت صحيفة «صوت الحجاز» الصادرة في غرة رمضان سنة 1352هـ (الموافق 18 ديسمبر 1933م)، وتحت عنوان «الدوام في رمضان»، صدور أمر سامٍ كريم يُلزم جميع الدوائر الحكومية – جرياً للعادة في الشهر الفضيل – بالدوام ليلاً لمدة خمس ساعات، تبدأ من الثالثة ليلاً بالتوقيت الغروبي وحتى الثامنة قبل السحور، أي ما يعادل تقريباً من العاشرة مساءً وحتى الثالثة فجراً بالتوقيت الحالي. وتعكس هذه الخطوة فهماً مبكراً لطبيعة المجتمع في رمضان، وحرصاً على استمرارية العمل مع مراعاة الخصوصية الدينية والاجتماعية للشهر الكريم.
ويضاف إلى ذلك بُعد اجتماعي مهم، يتمثل في أن كثيراً من الأسر يرتبط وجودها في المدن الرئيسة بانتظام أبنائها في المدارس والجامعات، وتحويل الدراسة إلى نمط التعليم عن بُعد خلال شهر رمضان يتيح لهذه الأسر فرصة قضاء أيام الشهر الكريم في مناطقها وبين ذويها، بما يعزز الروابط الاجتماعية، دون أن يتعارض ذلك مع استمرارية التعليم أو تحقيق أهدافه. إن طرح خيار الدراسة عن بُعد في رمضان لا يهدف إلى التقليل من أهمية التعليم أو الدعوة إلى التساهل، وإنما يأتي في إطار تنظيم مختلف يوازن بين متطلبات العملية التعليمية وخصوصية الشهر الفضيل، ويستثمر البنية التقنية والخبرة التعليمية المتراكمة التي أصبحت اليوم جزءاً أصيلاً من المنظومة التعليمية الحديثة، تماماً كما استثمرت الدولة في مراحلها المبكرة مرونة التنظيم لتحقيق الكفاءة والاستمرارية.
وفي نهاية المطاف، يبقى الهدف واحداً: تعليم فعّال، وحضور ذهني حقيقي، ومنظومة تعليمية مرنة قادرة على التكيّف مع المتغيرات الزمنية والاجتماعية، بما يخدم المصلحة العامة، ويعزز جودة التعليم واستدامته، انسجاماً مع نهج إداري أصيل أثبت نجاحه عبر التاريخ.



