لم يعد منتدى الإعلام السعودي مجرد تجمع مهني أو مساحة لتبادل الآراء، بل تحوّل إلى منصة إعلامية متكاملة تعكس نضج التجربة السعودية في إدارة إعلام المؤتمرات، وتقدّم نموذجًا واعيًا لكيفية توظيف الحدث الإعلامي في صناعة الرسالة، وبناء السرد، وتعزيز المكانة. ففي كل دورة، يتجاوز المنتدى منطق “التغطية” إلى مفهوم أعمق يقوم على التخطيط الاتصالي، وإدارة المحتوى، وصناعة الأثر.
إعلام منتدى الإعلام السعودي لا يبدأ مع انطلاق الجلسة الافتتاحية، بل يُبنى تدريجيًا منذ مرحلة ما قبل الحدث، عبر صياغة الرسائل الأساسية، وتحديد القضايا المحورية، وبناء هوية بصرية وسردية موحّدة. هذا الإعداد المسبق ينعكس في انسجام الخطاب الإعلامي، واتساق المحتوى، وقدرته على الوصول إلى جمهور واسع محليًا ودوليًا دون تشويش أو ازدواجية في الرسائل.
وخلال أيام انعقاد المنتدى، تتجلى ملامح الاحتراف في إدارة المحتوى الإعلامي، حيث تتحول الجلسات الحوارية إلى مادة معرفية قابلة لإعادة التوظيف عبر المنصات الرقمية، وتُختصر الأفكار المعقّدة في رسائل واضحة، تحافظ على عمقها دون الإخلال بجوهرها. ويعكس ذلك فهمًا متقدمًا لطبيعة الجمهور الحديث، الذي يبحث عن المعلومة السريعة، الدقيقة، والقابلة للمشاركة.
كما نجح إعلام المنتدى في تقديم صورة متوازنة تجمع بين البعد المهني والبعد الاستراتيجي، فلم يكتفِ بإبراز المتحدثين والموضوعات، بل ربط النقاشات بالسياق الأوسع لتحولات الإعلام في المملكة، ودوره في التنمية، وصناعة الرأي، وتعزيز القوة الناعمة. هذا الربط منح المنتدى بعدًا يتجاوز الحدث الزمني إلى كونه مرجعًا إعلاميًا يعكس توجهات القطاع.
ويُحسب لإعلام منتدى الإعلام السعودي أنه جسّد رسالة واعية عن الدور الريادي للمملكة في تنظيم المؤتمرات الإعلامية، من خلال إدارة دقيقة للتفاصيل، وتكامل بين المحتوى والمنصات، وحضور مهني يعكس ثقة المؤسسات الإعلامية السعودية بقدرتها على المنافسة إقليميًا ودوليًا. فقد بدا المنتدى بوصفه نموذجًا تطبيقيًا لكيفية إدارة الفعاليات الكبرى باعتبارها أدوات اتصال استراتيجية، لا مناسبات عابرة.
وساهم هذا النهج في ترسيخ مفهوم إعلام المؤتمرات كتخصص مهني مستقل، يتطلب مهارات متعددة تشمل التحرير، والإخراج، والتحليل، وقياس الأثر، وإدارة السمعة. ومع اتساع نطاق التغطية وتنوع الجمهور، أصبح المنتدى مساحة تدريب غير مباشرة على أفضل ممارسات الاتصال المؤسسي، وصناعة المحتوى عالي التأثير.
خلاصة القول، إن إعلام منتدى الإعلام السعودي لم يكن انعكاسًا لحدث مهني فحسب، بل تعبيرًا عن مرحلة جديدة في تطور الإعلام السعودي، تُدار فيها الرسائل بوعي، وتُصاغ فيها الرواية باحتراف، وتُستخدم فيها المؤتمرات كمنصات لصناعة المعنى وتعزيز الحضور. وهو نموذج يؤكد أن المملكة لم تعد تكتفي بالمشاركة في صناعة الإعلام، بل باتت تسهم في إعادة تعريفها






