المقالات

مدخل لتعزيز كفاءة قطاع البيئة والمياه والزراعة

إنّ بناء منظومة بيئية وزراعية ومائية متكاملة لا يتحقق فقط عبر سنّ الأنظمة أو دمج المؤسسات، بل يعتمد قبل ذلك على اختيار الكفاءات القادرة على قيادة هذا القطاع الحيوي وفق أسس علمية راسخة. فالتخصص لم يعد ترفًا، بل ضرورة وطنية لضمان إدارة الموارد الطبيعية بكفاءة، وتحقيق الأمن الغذائي، وتعزيز الاستدامة البيئية بما يتوافق مع تطلعات الوطن ورؤيته المستقبلية.

ومن هذا المنطلق، تأتي أهمية الحديث عن أثر الاختيار الدقيق للشخص المناسب في المكان المناسب، ودوره في اختصار الوقت، وتقليل الهدر، ورفع مستوى الأداء المؤسسي.

منذ صدور الأمر الملكي رقم (أ / 133) وتاريخ 30 / 07 / 1437هـ، القاضي بإلغاء «وزارة المياه والكهرباء» وتعديل اسم «وزارة الزراعة» ليكون «وزارة البيئة والمياه والزراعة»، ونقل المهام والمسؤوليات المتعلقة بنشاطي البيئة والمياه إليها، كان الأمل كبيرًا في أن ينتج عن هذا الدمج منظومة موحدة متناسقة، قادرة على صياغة سياسات وتشريعات متكاملة. إلا أن الواقع كشف عن تحديات جوهرية تمثلت في تشتت الأنظمة، وتعارض التطبيقات، وغياب التناغم بين الجهات، وهو ما يعود في جوهره إلى عدم اختيار الكوادر المتخصصة القادرة على إدارة هذا القطاع المعقد.

لقد أدى هذا الخلل إلى ظهور تشريعات متناثرة، ومبادرات غير مكتملة، وتفسيرات متباينة للبيانات البيئية والزراعية والمائية. ومع مرور الوقت، أصبح كل طرف يعمل خارج نطاق اختصاصه، وكل جهة تعزف على مقام لا تتقنه، فخسر الوطن الكثير، ليس فقط من المال، بل من الوقت والفرص أيضًا.

وتبرز خطورة غياب التخصص عندما يتحدث بعض المشرفين على الشؤون البيئية ويقتبسون بيانات من منظمات عالمية دون فهم خلفيتها العلمية أو منهجياتها الإحصائية؛ فإعادة تفسير استخدامات الأراضي أو إنتاج الغذاء على أنها أراضٍ للموارد الطبيعية المتجددة، أو العكس بشكل مطلق، أو عرضها خارج سياقها العلمي، يخلق تشويشًا معرفيًا لا يليق حتى بمستوى طلاب المراحل الأولى في العلوم البيئية. مثل هذه الطروحات تُربك المفاهيم الأساسية، وتشوّه المراجع العلمية التي بُني عليها هذا العلم، وتضعف ثقة المجتمع العلمي في الخطاب المؤسسي.

إنّ العلم البيئي ليس مجالًا للاجتهادات غير المبنية على أسس، ولا ساحة لتأويلات شخصية، بل هو علم قائم على بيانات دقيقة، ومراجع موثوقة، ونماذج تحليلية معتمدة دوليًا. ومن هنا، فإن مسؤولية المؤسسات تكمن في تمكين المتخصصين، وتقديم خطاب علمي رصين، وتوجيه الطلاب والباحثين نحو المصادر الموثوقة التي تُعدّ الركيزة الأساسية لأي قرار أو سياسة.

الأعزاء الطلاب والمهتمون، إن الثقة بالمراجع العلمية ليست خيارًا ثانويًا، بل هي الأساس الذي يُبنى عليه الفهم الصحيح. وعند تقييم أي معلومة أو اتخاذ أي قرار علمي، يجب أن يكون المستند العلمي هو مرجعكم الأول، بعيدًا عن التفسيرات الخارجة عن سياقها الأكاديمي أو غير المدعومة بالمنهج العلمي.

إنّ بناء قطاع بيئي وزراعي ومائي قوي يبدأ من اختيار الكفاءات المؤهلة، وتوحيد الخطاب العلمي، وتعزيز ثقافة الاعتماد على المراجع الموثوقة. فالوطن يستحق منظومة تعمل بتناغم، وتستند إلى العلم، وتُدار بأيدٍ خبيرة قادرة على حماية موارده وتحقيق تطلعاته.

أستاذ الإدارة البيئية لصون الأراضي والمياه

أ.د.محمد حسين المرشدي

أستاذ الإدارة البيئة لصون الأراضي والمياه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى