المقالات

ونِلتُ البراءة من التهمة

قبل بضعة شهور، اكتشفت أثناء الاستحمام وجود كتلةٍ من نوعٍ ما في صدري، وكعربي-أفريقي يفهم – بطبيعة الحال – في علوم الفضاء والبيطرة والذرة والطب والمحاسبة والبورصات، قمتُ بالتشخيص الفوري وأصدرت حكمي بأن تلك الكتلة هي ما يسميه الأطباء بلغة الفرنجة «سِيست» (Cyst)، وتعني «كيسًا»، وهو عبارة عن جيب أو تجويف مغلق ذو غشاء يظهر في الأنسجة أو الأعضاء، وقد يحوي سوائل أو صديدًا أو مواد شبه صلبة. واستنادًا إلى هذا التشخيص الصادر عن «بحر العلوم» جعفر عباس، المحصَّن إلى حدٍّ كبير ضد ما يوسوس في صدور الناس، «طنّشت» هذا الكيس، أي نسيت أمره.

وذات لحظة صفاءٍ زوجي، حدثتُ «أمَّ المعارك»، التي هي أم الجعافر وأم عيالي وزوجتي، عرضًا بالأمر، فهاجت وماجت، وصاحت: «أنت مستهتر، مسوي حالك فاهم، بينما ترامب – أو حتى مستر بين – يفهم أحسن منك في كل شيء»، وسحبتني من أذني إلى العيادة الطبية، واخترتُ جراحًا «زولًا» – أي سودانيًا – عملًا بالمثل «الجنس على الجنس رحمة»، على أمل أن يصدر قرارًا ببراءتي من شبهة الاستهتار بصحتي، ويثبت أنني بالفعل «بحر علوم»، ويقول إن الكيس بريء من الشبهات، وإنه سيزول من تلقاء نفسه، أو حتى لو بقي في مكانه فلا ضرر ولا ضرار.

لكن الطبيب «الزول» خذلني؛ فقد نظر إلى الكيس المزعوم، وفحصه بأطراف أصابعه، ثم قال: «لازم نعمل تصويرًا بالموجات الصوتية فورًا». الله أكبر! لماذا فورًا؟ والعجلة من الشيطان! ولكن كان لا بد مما ليس منه بدّ، فتوجهت إلى قسم التصوير، حيث مددوني على سرير أبيض، ورغم برودة الغرفة نشطت غددي الأفريقية، وأفرزت عرقًا بكميات تجارية. واكتملت عملية التصوير، ونظرت إلى الرجل الذي أجراها انتظارًا للنطق بالحكم، لكنه قال إن إعداد التقرير يستغرق بضع ساعات، فانصرفت إلى البيت مهيض الجناح، كسير الخاطر.

في اليوم التالي استدعاني الجراح لمقابلته، وذهبت إليه وكلي أمل أن يبلغني أن التصوير أكد صحة تشخيصي، وأن الأمر مجرد تكيس لا ضرر من وجوده أو زواله، لكنني فوجئت به يقول: «لازم نعمل تصوير ماموغرام للصدر». الله أكبر! ماموغرام؟ أنا جعفر عباس الفارس المغوار بلا نظير من المنامة إلى فاس، أخضع لتصوير ماموغرام؟ ما يصير! عيب! ذلك أن «الماموغرام» نوع من التصوير الإشعاعي تخضع له النساء عادة لفحص الثدي للتأكد من وجود أورام حميدة أو غير حميدة.

ورغم كبريائي المجروح، ورغم «ثقافتي الطبية» العالية وتخصصي – كما أزعم – في المسالك البولية والأمراض الجلدية والعظام والشعر والأظافر والحوافر والمخ والقولون والبُطين الأيمن والشريان التاجي الصاعد، إلا أنني خضعت للماموغرام، وأنا كسير الخاطر، وتذكرت عندها موقفًا حرجًا في مستشفى الولادة في أبوظبي حين رافقت زوجتي أثناء ولادتها، حيث أُمرت بالبقاء في الغرفة وإسناد رقبتها بيدي، فعشت لحظات من الرعب حتى سمعت صرخة المولودة، وكانت تلك ابنتي مروة، التي تخصصت لاحقًا في «جلدي» باللسان!

وهكذا انهزم جعفر بن المعلم عباس بالماموغرام، وهو الذي عاش العمر كله خائفًا من «الغرام»، ولم يستسلم لتحرشات سعاد حسني ونبيلة عبيد به كلما ارتاد دار السينما. لاحقًا سألت الطبيب: «لماذا تشك في رجولتي؟» فصدمني بالحقائق التالية: إن من مؤشرات سرطان الثدي لدى الرجال ظهور كتلة غير مؤلمة، أو زيادة سُمك الجلد في الصدر، أو تغيرات في الجلد مثل التجعدات أو التقشر أو تغير اللون، أو تغيرات في الحلمة مثل الانكماش أو الإفرازات أو النزف. ومع ذلك، فإن سرطان الثدي لدى الرجال مرض نادر يصيب نحو 1% منهم، ويحدث عادة بعد سن الستين.

ورغم ذلك لم يتوقف الأمر عند التصوير، بل قرر الجراح – بعد صدور التقرير – سحب عينة من صدري لإرسالها إلى المختبر. عشتُ بعد ذلك خمسة أيام من القلق والترقب، وتخيلت نفسي وقد نسف العلاج الكيميائي ما تبقى من شعر رأسي، فلا أخرج من البيت إلا مرتديًا قبعة «بيسبول» مكتوبًا عليها NY، وأنا الذي لا أحب نيويورك أصلًا!

ومرّت الأيام ثقيلة، وأنا أهيئ نفسي لاحتمال الأسوأ، لا خوفًا من الموت، بل خوفًا من العجز، فالموت حق، لكن العجز أقسى، كما قال الراحل غازي القصيبي رحمه الله:
أخاف المنيّة لكنني
أخاف الحياة مع العجز أكثر

وأخيرًا جاء تقرير المختبر، ليعلن أنني بريء من الداء الخبيث، وأن الأمر يتعلق بما يُسمى «غاينيكوماستيا» (Gynecomastia)، أي تضخم في أنسجة الصدر نتيجة خلل في توازن بعض الهرمونات، وهو أمر لا يعني بالضرورة وجود مرض خطير.

والحمد لله الذي أذهب عني أذى المرض، وأعفاني منه.

جعفر عباس

كاتب صحفي (ساخر)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى