في الجامعات الجادة، المنصة جزء من التعليم نفسه. ما يُقال عليها يُحسب ويُبنى عليه. من يقف أمام الطالب يُختار لأنه يحمل تجربة قابلة للنقل المعرفي، تجربة تُعلّم كيف يُتخذ القرار وكيف يُدفع ثمنه. لهذا يظهر أصحاب التجارب الثقيلة أمام الطلاب ليعرضوا طريقًا واضحًا بتكلفته وحدوده، لا ليقدّموا سردًا شخصيًا منفصلًا عن القيمة التعليمية.
أحيانًا تقع زلة كاشفة في سياق عابر. خلال لقاء مع طلاب موهوبين، تحدث أحد المسؤولين عن مسيرته، وأشار إلى أن موهبته قادته إلى مواقع قيادية، ثم قال بعفوية:
*“المتفوق في دفعتي يطلب الآن موافقتي.”*
لم تُطرح الجملة كقاعدة، ولم تُقصد كرسالة تربوية، لكنها قيلت وتركت أثرها.
المشكلة ليست في الموهبة.
والمشكلة ليست في العلاقات أو الشبكات.
الحياة، في كل المجتمعات، تقوم على تفاعل بشري، وعلى شبكات مهنية طبيعية تنشأ من العمل والسمعة والإنجاز. هذه شبكات صحية، تُبنى بعد الجهد، لا بدلًا عنه. المشكلة تبدأ عندما تُقدَّم العلاقة كاختصار، وعندما يُعاد تعريف التعثر الأكاديمي وعدم القبول الجامعي كعلامة استحقاق قيادي، لا كمرحلة تجاوزها صاحبها بالعلم والعمل.
في هذه اللحظة تنقلب الرسالة.
الطالب لا يسمع قصة بناء واعٍ، يسمع تبريرًا لمسار لم يُبنَ على أساس معرفي. الرسالة التي تصل إليه بسيطة وخطيرة: التفوق لا يكفي، والجهد لا يحمي، والقيمة النهائية تمر عبر شخص لا عبر عمل. هنا يختل التوازن الداخلي. يضعف ارتباط الإنجاز بالمكافأة الذي يغذّيه الدوبامين، ويتقدم شعور الترقب والقلق الاجتماعي المرتبط بالكورتيزول. السؤال يتحول بهدوء من: ماذا أستطيع أن أقدّم؟ إلى: من أحتاج رضاه؟
الأثر لا يظهر فورًا.
يظهر في السلوك.
خفض سقف الطموح.
تعامل شكلي مع التميز.
مراقبة المشهد بدل الانخراط فيه.
في الوقت نفسه، يتعرض الطالب لضجيج آخر. مشاهير السوشال ميديا. نجاح ظاهر بلا مسار مفهوم. حضور بلا تجربة قابلة للشرح. الأسرة تحاول أن تزرع قيمة العمل، بينما الشاشة تعرض نجاحًا يبدو بلا ثمن. الأب والأم يبحثان عن قدوة مقنعة، فلا يجدان نموذجًا يمكن تحويله إلى درس تربوي متماسك.
وهنا يظهر الفرق بين النموذج الحقيقي والنموذج الفارغ.
في جامعاتنا ومؤسساتنا نماذج مشرّفة: أكاديميون بنوا سمعتهم بالبحث، وقادة مشاريع بدأوا من المختبر أو الميدان، ومسؤولون صعدوا لأنهم أضافوا قيمة حقيقية قبل أن يحملوا لقبًا. هؤلاء لم يلغوا الشبكات، بنوها بعد أن أثبتوا جدارتهم. العلاقة جاءت نتيجة، لا شرطًا مسبقًا.
وسط هذا المشهد، يضيع تعريف النجاح لدى الطالب.
النجاح ليس منصبًا، ولا شهرة، ولا مالًا، ولا وجاهة. هذه نتائج محتملة. النجاح قيمة مضافة يتركها الإنسان في محيطه: معرفة تُبنى، مشكلة تُحل، أثر يبقى. من دون هذا الأثر، يتحول المنصب إلى شكل، وتتحول الشهرة إلى ضجيج.
هذه مسألة تربوية ذات بعد استراتيجي. الاقتصاد المعرفي يقوم على عقول تؤمن بعلاقة واضحة بين الجهد والنتيجة. أي خطاب يربك هذه العلاقة يضعف رأس المال البشري، حتى لو قيل بحسن نية.
المسؤولية هنا دقيقة. من يقف أمام الطالب يجب أن يزن كلماته ويدرك أثرها. المنصة مساحة أمان معرفي لجيل في طور التكوين، لا مساحة لإعادة تعريف التعثر كميزة أو تقديم العلاقات كبديل عن العمل.
نحتاج خطابًا يفرّق بوضوح بين الشبكات الصحية والواسطة المموّهة، وبين الموهبة التي تُصقل، والتعثر الذي يُستثمر لغويًا. عندها يستقيم تعريف النجاح، ويستقيم السلوك.
أما الحقيقة، فهي واضحة:
اللي يدري يدري… واللي ما يدري يدخل ينام بدري.





