يقولون لك: افتح، السوق فيه خير.
ويقولون: السجل في ثلاث دقائق.
الرخصة إلكترونية، والدعم موجود، والمستقبل واعد.
يقولون ذلك بثقة، ويبتسمون وهم يلوّحون بالسرعة، كأن الدخول السريع نصف النجاح، وكأن ثلاث دقائق تكفي لإنجاب كيان أو تثبيت مشروع أو صناعة اقتصاد.
لكن الحقيقة لا تبدأ في الدقيقة الأولى.
ولا في الثانية.
ولا في الثالثة.
الحقيقة تبدأ بعد الدقيقة الرابعة.
بعد الدقيقة الرابعة تنتهي لغة الإعلانات، وتبدأ لغة الفواتير.
تبدأ كرة الثلج: صغيرة، متفرقة، تبدو محتملة لأن كل بند وحده بسيط، لكنها تتدحرج بهدوء حتى تثقل كاهل منشأة ما زالت تتعلم الوقوف. هنا اشتراك، هناك تجديد، هنا ربط، هناك تقرير، ثم إشعار بعدم التزام، وكأن الأرض لا تثبت تحت قدمي المشروع.
المنشأة الناشئة لا تواجه جهة واحدة، بل شبكة جهات ومنصات، كل واحدة تؤدي دورها بكفاءة داخل تعريفها الخاص، وكل واحدة تقيس نجاحها بمؤشر مستقل، وكلها تفترض أنك جاهز بالكامل منذ اليوم الأول. في لحظة واحدة تُطالَب بالفوترة الإلكترونية والربط، ثم مشاركة الفواتير، ثم الإقرارات، ثم مسيرات الرواتب، ثم التأمين الطبي الإلزامي، ثم المراجعات المحاسبية. هذا نظام منضبط، لكنه مُجزّأ، وتكلفة تجزئته تقع كاملة على من لا يملك بعد ترف الاحتمال.
هنا يظهر وهم هامش الربح.
يرى المجتمع كوب القهوة بخمسة عشر ريالًا، فيحسب سريعًا: ريالان تكلفة، وثلاثة عشر ربحًا.
في الداخل، تتوزع الخمسة عشر قبل أن تصل لصاحب المشروع: مواد، هالك، كهرباء تجارية، إيجار يضغط شهرًا بعد شهر، صيانة مفاجئة، رواتب، توصيل. وما يتبقى غالبًا ثلاثة إلى ستة في المئة، بالكاد تكفي ليقول صاحب المشروع إنه يعمل لنفسه، لا ليبني ثروة كما يُتخيَّل.
ثم تدخل السعودة إلى المشهد.
الهدف وطني نبيل، لكن التطبيق حين يُختزل إلى “نسبة ونطاق” يتحول إلى لعبة أرقام. راتب يُدفع لإغلاق خانة، اسم يُسجَّل لتحقيق نسبة، وظيفة تُدار على الورق أكثر مما تُبنى على الأرض. هنا تُستنزف المنشأة، وتفقد الوظيفة معناها، وتبتعد الفكرة الأصلية خطوة أخرى.
ثم يأتي المقابل المالي، فيظهر سؤال التدرج بوضوح مؤلم.
عامل في القطاع الخاص يحاول فتح مصدر دخل ثانٍ وهو واقف، فيُعامل كأنه تجاوز الحد، ويدفع المقابل كاملًا، ثم تخف الرسوم فجأة إذا استقال وقطع مصدر الأمان. رسالة غير مكتوبة تقول إن القفز مقبول، لكن التدرج مكلف، وكأن النجاح لا يُسمح له أن يكون مسارًا.
ورغم كل ذلك، يصمد المشروع.
تمر سنة كاملة. الرواتب ثابتة. الالتزامات مرفوعة. الربط قائم. الفواتير تُشارك.
ينجح. يستقطب عددًا محدودًا من أبناء الوطن، أصحاب خبرة وطموح. يكبر الفريق. ويتحول صاحب المشروع إلى مدير تنفيذي فعلي.
وهنا يبدأ حلم مختلف، لا علاقة له بالريادة كشعار، بل بالحياة كبشر: زواج، سيارة، استقرار.
يمد يده إلى البنك بعد عام من العمل، دخله ثابت، سجله الائتماني نظيف، ومنشأته قائمة وتؤدي ما عليها.
فيأتيه الجواب مهذبًا وقاطعًا: شركتك ليست ضمن اتفاقياتنا. حجمها لم يبلغ النصاب.
وإن حصل على قرض، فالنسبة ستكون عالية إلى حد لا يُنصح به.
هنا تتكشف النقطة العمياء كاملة.
المنظومة تكافئ الامتثال بالمزيد من الامتثال، لكنها لا تفتح باب الاستقرار لمن التزم. تطالبك أن تكون شركة مكتملة قبل أن تسمح لك أن تصبح شركة.
الدعم موجود، نعم.
مبادرات تسترد جزءًا كبيرًا من الرسوم، وقد تصل إلى ثمانين في المئة، لكن بعد الدفع، وبعد الاستنزاف، وبعد أن تكون السيولة قد أُنهكت في السنة الأولى أو الثانية. دعم يُخفف الألم بعد وقوعه، لكنه لا يمنع السقوط في أكثر المراحل هشاشة.
الحل لا يحتاج منصة جديدة بقدر ما يحتاج تصميمًا جديدًا.
تصميمًا يفهم أن تعدد الجهات لا يعني تعدد الفواتير، وأن جمع الالتزامات في واجهة واحدة وفاتورة واحدة يقوّي الحوكمة ولا يضعفها.
تصميمًا يعرض الصورة كاملة منذ البداية: ماذا سأدفع، متى، ولماذا، خلال أول ستة وثلاثين شهرًا.
تصميمًا يحول الدعم من تعويض لاحق إلى وقاية مبكرة، ويجعل السعودة مسارًا مهنيًا متدرجًا، لا رقمًا يُغلق خانة، ويجعل التمويل مبنيًا على الالتزام والسلوك، لا على حجم عددي متأخر عن واقع المنشآت الصغيرة.
هذا ليس ترفًا إداريًا، بل جوهر رؤية تريد اقتصادًا مزدهرًا لا يقوم على النجاة الفردية، ومجتمعًا حيويًا لا تُستنزف فيه الوظائف، ووطنًا طموحًا تُقاس فاعلية حكومته بقدرتها على تصميم الرحلة، لا الاكتفاء بفرض المتطلبات.
النقطة العمياء ليست في الريادي،
ولا في السوق،
ولا في الطموح.
هي تلك اللحظة التي يلي فيها الوعدُ الالتزام،
وتتقدم فيها الفاتورة على الفكرة،
ويُترك المشروع وحيدًا ليواجه ما بعد البداية.
وحين نقرر أن نراها،
ونصمم المنظومة حولها،
لا تعود الريادة قفزة محفوفة بالإنهاك،
بل مسارًا مفهومًا، متدرجًا، وقابلًا للحياة.
هناك… بعد الدقيقة الرابعة،
إما أن يبدأ الاستنزاف،
أو يبدأ البناء.






