المقالات

الجامعات السعودية بين الإنجليزية والهوية الثقافية.

أصبحت اللغة الإنجليزية لغة عالمية للمعرفة والعلم والتواصل والأعمال والسياحة والتقنية ، ومن هذا المنطلق يتبادر إلى الذهن سؤال جوهري حول تدريس اللغة الإنجليزية بثقافة مختلفة : كيف يمكن تدريس اللغة الإنجليزية دون أن يكون ذلك على حساب الهوية الثقافية الوطنية؟ هذا التساؤل يكتسب أهمية مضاعفة في مقررات اللغة الإنجليزية التي تُدرّس في السنة التحضيرية في بعض الجامعات و بعض المقررات للكليات المختلفة التي تتطلب تدريس مقررات لغة إنجليزية عامة ، حيث تتشكل الملامح الفكرية واللغوية للطالب الجامعي.
ولذلك تعتمد كثير من الجامعات على كتب لغة إنجليزية بالشراكة مع شركات كبرى صُممت مناهجها في سياق بريطاني او أمريكي ، وتحمل في مضامينها أنماط حياة وقيمًا اجتماعية لا تعكس الواقع السعودي. ورغم جودة هذه الكتب من الناحية اللغوية، إلا أن استمرار استخدامها دون تكييف يطرح تحديًا حقيقيًا يتمثل في غياب الثقافة السعودية عن قاعات تدريس اللغة الإنجليزية، مما قد يخلق فجوة بين الطالب والمحتوى التعليمي.
في المقابل، يبرز توجه تربوي حديث يدعو إلى تصميم مقررات لغة إنجليزية منبثقة من الثقافة السعودية، لا بوصفها بديلاً منغلقًا، بل كخيار واعٍ يوازن بين الانفتاح العالمي والحفاظ على الهوية. فتعليم اللغة ليس بمعزل عن الثقافة، ولهذا يمكن أن تكون وسيلة فاعلة لنقل الثقافة السعودية إلى العالم بدلًا من أن تكون مجرد قناة لاستقبال ثقافات أخرى.
عندما يتعلم الطالب اللغة الإنجليزية من خلال نصوص تتناول الهوية الوطنية ممثلة في القيم الاجتماعية و التراث الثقافي و التحولات التنموية، كما هو واضح وجلي في ورؤية المملكة العربية السعودية 2030، ليصبح التعلم أكثر قربًا من واقعه وأكثر تأثيرًا في وعيه. هذا النوع من المحتوى لا يعزز فقط الكفاءة اللغوية، بل يدعم الانتماء الوطني والاستدامة الثقافية في بيئة تعليمية عالمية.
وتكمن أهمية هذا التوجه بشكل خاص في السنة التحضيرية ومقررات اللغة العامة للكليات ، حيث يحتاج الطالب إلى محتوى يساعده على بناء مهاراته اللغوية الأساسية دون أن يشعر بالاغتراب الثقافي. فالطالب في هذه المرحلة لا يتعلم قواعد ومفردات فقط ، بل يُكوّن تصوره عن اللغة الإنجليزية ودورها في حياته الأكاديمية والمهنية. وهنا تبرز قيمة اللغة الإنجليزية كأداة للتعبير عن الذات الثقافية السعودية وليس كرمز للانفصال عنها.
كما أن المقررات المصممة محليًا تساهم في رفع دافعية الطلاب للتعلم، إذ يتفاعل الطالب بشكل أكبر مع موضوعات يعرفها ويعيشها، مثل المجتمع المحلي، العادات الاجتماعية، الضيافة، التطوع، أو التحولات الاجتماعية والاقتصادية في المملكة. وهذا بدوره ينعكس إيجابًا على مهارات اللغة الأساسية ، والتفكير الناقد .
في ظل رؤية المملكة 2030 التي تؤكد على تعزيز الهوية الوطنية وبناء مواطن سعودي منافس عالميًا على كافة الأصعدة ، يصبح من الضروري أن تتماشى مقررات اللغة الإنجليزية مع أهداف هذه الرؤية العظيمة ، فالهدف ليس رفض المحتوى العالمي، بل إعادة توطينه ثقافيًا بما يخدم الطالب والمجتمع، ويضمن استدامة الثقافة السعودية في منظومة تعليمية منفتحة على العالم.
إن استدامة الثقافة السعودية من خلال تدريس اللغة الإنجليزية ليست مجرد خيار تربوي، بل هي مسؤولية تعليمية ووطنية. وعندما تُدرّس اللغة الإنجليزية من خلال مقررات تعكس الثقافة السعودية، فإنها تتحول من لغة أجنبية إلى جسر حضاري يربط الهوية الوطنية المحلية بالعالمية، ويُعدّ الطالب السعودي ليكون متقنًا للغة، واثقًا بثقافته، وقادرًا على تمثيلها في شتى المحافل العالمية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى