
تثير الدعوات الأخيرة التي أطلقها عيدروس الزبيدي عقب مغادرته البلاد تساؤلات حول توقيتها وأهدافها، لا سيما أنها جاءت في مرحلة حساسة يشهد فيها جنوب اليمن خطوات متدرجة نحو تحسين مستوى الخدمات العامة واستعادة قدر من الاستقرار المؤسسي بعد سنوات طويلة من الاضطراب السياسي والأمني. فالدعوة إلى الحشد والتصعيد الشعبي في هذا التوقيت لا يمكن فصلها عن تجارب المنطقة خلال ما سُمّي بــ«الربيع العربي»، حين بدأت التحركات بشعارات عاطفية براقة وانتهت في عدد من الدول إلى انهيار مؤسسات الدولة وتعطّل التنمية واتساع رقعة الفوضى.
المتابع لمسار المرحلة الأخيرة في الجنوب يلاحظ بوضوح أن الأولويات اتجهت نحو إعادة تشغيل الخدمات الأساسية، وصرف الرواتب، وتحريك مشاريع البنية التحتية، والتعليم، والطاقة، والمياه، وهي خطوات تمثل الحد الأدنى الضروري لأي عملية استقرار اقتصادي واجتماعي. غير أن الخطاب الذي يدعو إلى استمرار التصعيد والتعبئة السياسية يحمل في طياته مخاطر حقيقية، تتمثل في إعادة إدخال المجتمع في دائرة التوتر وعدم الاستقرار، بما قد يؤدي إلى تعطيل المشاريع الخدمية وتأخير مسارات التنمية التي ينتظرها المواطنون منذ سنوات.
كما أن التقارير التي كشفت متاجرة عيدروس الزبيدي بمقدرات البلاد لمصالحه الخاصة، ولا سيما في محافظات محورية مثل حضرموت، أعاد إلى الواجهة أسئلة عميقة تتعلق بإدارة الثروات المحلية ومدى انعكاسها الفعلي على حياة المواطنين، وهي قضايا لا يمكن معالجتها عبر خطابات التحريض أو دعوات الشارع، بل تحتاج إلى حلول مؤسسية واضحة وإدارة رشيدة للموارد ومشاريع تنموية ملموسة. فالمجتمعات الخارجة من الصراع لا تُبنى بالشعارات، بل بالاستقرار والخدمات وبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
لقد كشفت أحداث العقد الماضي أن الفوضى تبدأ غالبًا بخطابات تعبئة وشعارات كبرى، لكنها تنتهي في معظم الأحيان بواقع اقتصادي واجتماعي أكثر قسوة؛ تتراجع فيه الخدمات، وتتوقف الاستثمارات، وتزداد كلفة إعادة البناء، فيما يدفع المواطن وحده ثمن المغامرات السياسية غير المحسوبة. ومن هنا، فإن المرحلة الراهنة في جنوب اليمن تتطلب خطابًا مسؤولًا يعزز الاستقرار المؤسسي ويدعم مشاريع الخدمات والتنمية، بدلًا من العودة إلى لغة التصعيد التي أثبتت التجارب أنها لا تنتج سوى مزيد من الأزمات.
إن التجارب القريبة في المنطقة أثبتت أن الدعوات التي تبدأ بشعارات الحشد والتعبئة سرعان ما تتحول إلى بوابات للفوضى، يدفع ثمنها المواطن البسيط قبل غيره، بينما تتأخر معها مسارات التنمية وتتعطل الخدمات وتضيع سنوات جديدة من عمر الأوطان. ولهذا، فإن الوعي المجتمعي اليوم يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة أي محاولات لجرّ الجنوب مجددًا إلى دوامة الاضطراب، عبر الالتفاف حول مؤسسات الدولة، ودعم مسارات الاستقرار، وتعزيز جهود البناء والخدمات التي بدأت تؤتي ثمارها تدريجيًا.
إن الأمن والاستقرار ليسا خيارًا سياسيًا عابرًا، بل هما الأساس الذي تُبنى عليه حياة كريمة ومستقبل آمن للأجيال القادمة، وهو ما يتطلب تماسك المجتمع ورفض دعوات الفوضى أياً كان مصدرها أو شعاراتها. وفي ظل الدعم المتواصل الذي تقدمه المملكة العربية السعودية لليمن في المجالات الإنسانية والتنموية والاقتصادية، تبرز مسؤولية الجميع في حماية مسار الاستقرار، والعمل على تحويل هذه المرحلة إلى نقطة انطلاق نحو تنمية حقيقية تعيد لليمن عافيته وتضمن لشعبه العيش بأمنٍ ورخاءٍ واستقرار.






