المقالات

جامعاتنا 2026: ما وراء التقشف… صدمة اقتصاد الأثر

في 2026 لم يعد الاقتصاد السعودي يحتمل فكرة الصرف بحسن نية. لم تعد الثقة كافية لتبرير الإنفاق، ولم يعد التاريخ كافيًا لتبرير الاستمرار. الاستراتيجية الوطنية للتخصيص لم تكن إجراءً ماليًا عابرًا، بل إعادة تعريف صارمة لعلاقة الدولة بكل مؤسسة تموَّل من المال العام؛ علاقة تقوم على مبدأ واحد: كل أصل يجب أن يعمل، وكل جهة يجب أن تُقاس، وكل خدمة يجب أن تُثبت أثرها. وإذا كان هذا هو معيار المرحلة، فإن التعليم العالي ليس استثناءً منها، بل في مركزها.

من هنا يتغير السؤال. لم يعد السؤال: كم أنفقت الجامعة؟ بل ماذا أعادت للاقتصاد الذي يمولها؟ فالجامعة السعودية نشأت في سياق تنموي مختلف، حين كان التوسع هو الهدف، والوصول هو الإنجاز. نجحت في نشر التعليم ورفع نسب الالتحاق، وأسهمت في بناء قاعدة معرفية واسعة. غير أن المرحلة الحالية لا تختبر قدرتها على التوسع، بل قدرتها على إنتاج قيمة. في اقتصاد يسعى لتنويع مصادر دخله وتعميق سلاسل القيمة، لا يكفي أن تُخرِّج الجامعة أعدادًا كبيرة؛ يجب أن تدخل في دورة إنتاج واضحة: طاقة، تقنية، لوجستيات، صناعات متقدمة، اقتصاد رقمي. وكلما تأخرت عن الارتباط بهذه السلاسل، اقتربت من الهامش، والهامش في اقتصاد تنافسي لا يبقى طويلًا.

وإذا كان الارتباط بالسوق شرطًا للبقاء، فإن العائق الحقيقي لا يكمن في نقص الموارد، بل في قواعد القرار. هنا تتكشف المشكلة الأعمق. برامج تُفتح لأنها تخدم تخصصًا نافذًا، وتُحمى لأنها امتداد لكرسي. وعندما يُطرح إغلاق برنامج، يُقرأ القرار كخسارة شخصية لا كتصحيح مسار مؤسسي. بهذه الطريقة يتحول القرار الأكاديمي من أداة تخطيط إلى أداة نفوذ، وتتحول الاستقلالية من فرصة إصلاح إلى مساحة مناورة. لذلك يصبح تضارب المصالح نقطة الانعطاف الأولى؛ فمن يقرر في ملف يمس تخصصه مباشرة لا يستطيع أن يكون حكمًا عادلًا على جدواه، وأي مؤسسة لا تعالج هذه المعضلة من جذورها ستبقى تدور داخل نفوذها الخاص بدل أن تتحرك نحو أثرها العام.

وحين ترتفع كلفة هذا الدوران، يظهر شعار الاستدامة. غير أن الاستدامة، إذا فُهمت باعتبارها تقليصًا سريعًا للنفقات، تنحرف عن معناها الحقيقي. تقليص البدلات، تقنين الحوافز، إلغاء مزايا الجذب، كلها إجراءات قد تُحسّن بندًا ماليًا في المدى القصير، لكنها لا تُنتج تحولًا بنيويًا. الدولة استثمرت سنوات طويلة ومبالغ ضخمة في تأهيل عضو هيئة التدريس، وحين يُختزل الإصلاح في قص الحوافز دون إعادة تعريف الأداء، فإن ما يحدث ليس توفيرًا، بل تسريب قيمة استُثمر فيها رأس مال وطني كامل.

وهنا تتشكل الظاهرة الأخطر: الهجرة لم تعد دائمًا خروجًا من الحدود، بل انفصالًا داخلها. احتراق وظيفي صامت يحوّل الجامعة إلى محطة انتظار للكفاءات. يبقى الأكاديمي جسديًا، لكنه ينكمش ذهنيًا؛ يعمل بالحد الأدنى، يؤجل أفكاره، ويبحث عن بيئة تُسعّر خبرته بجدية. ومع تراكم هذا الانفصال يتآكل ما يسمى السمعة المؤسسية، لأن السمعة لا تُبنى بالشعارات، بل بطاقة العقول التي تعمل داخل الجدران.

هذا التآكل لا يحدث في فراغ، بل في سوق تغيّر هو الآخر. دخول جامعات أجنبية إلى المشهد السعودي لم يكن خبرًا إعلاميًا، بل رفعًا لمعيار المقارنة. الطالب لم يعد متلقيًا ينتظر مقعدًا، بل مستثمرًا يقارن المسار بالعائد ويسأل: أين سأكون بعد خمس سنوات؟ السؤال بسيط في صياغته، لكنه قاسٍ في دلالته؛ لأن الجامعة التي لا تملك إجابة رقمية واضحة ستفقد النخبة أولًا، ثم تتساءل لاحقًا أين بدأ الانكماش.

ومن أجل أن تكون الإجابة رقمية فعلًا، لا بد أن يكون القياس مستقلًا. التقارير التي تكتبها الجامعة عن نفسها تظل جزءًا من روايتها الخاصة. المطلوب ربط مباشر بين بيانات الخريجين ووزارات الموارد البشرية والمالية عبر مركز معلومات وطني، بحيث يُقاس التوظيف ومستوى الدخل والمسار المهني خارج الجدران التي تمنح الشهادة. ما يُقاس داخليًا قد يُجمَّل، أما ما يُقاس وطنيًا فيكشف الصورة كما هي، ويحوّل الحديث عن الجودة من انطباع إلى رقم.

هذا التحول في منطق القياس ينسجم مع الرسالة التي حملها اختيار وزير بخلفية صناعية؛ فالتعليم لم يعد يُقرأ بوصفه خدمة اجتماعية فقط، بل استثمارًا يجب أن ينتج. غير أن تغيير القيادة لا يكفي إذا بقيت قواعد القرار كما هي. المنطق الصناعي لا يكتفي بخفض التكاليف، بل يعيد تصميم العملية بأكملها. لذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من اللوائح وحدها، بل من قرار يُطبَّق مرة واحدة بصرامة: إغلاق برنامج لا يخدم الهوية الجديدة مهما كان تاريخه، وإعادة توجيه الموارد إلى مسار يخدم الاقتصاد بوضوح.

وعند هذه النقطة يتضح الفرق بين استدامة شكلية وأخرى حقيقية. الاستدامة الوقفية ليست استقطاعًا من رواتب الموظفين ولا إنفاقًا على كماليات تُجمّل الصورة. الاستدامة الحقيقية تنشأ حين تتحول الجامعة إلى مصدر دخل معرفي: براءات اختراع تُباع، شراكات صناعية طويلة الأمد، استشارات نوعية، مراكز بحث تطبيقي تدخل في سلاسل إنتاج وطنية. هنا يصبح التمويل نتيجة ابتكار لا نتيجة تقليص.

ولأن هذا التحول ممكن، فإن النموذج المحلي يقدم برهانًا. حين أعادت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن هندسة بنيتها، لم تبدأ بتقليص الإنسان، بل بإعادة تعريف التخصص وربط العلوم بالتطبيق والصناعة. القرار هناك لم يكن تجميليًا، بل أعاد توزيع الموارد وفق هوية واضحة. الثقافة لا تتغير بالخطب، بل بالقرارات التي تعيد تشكيل الخريطة الفعلية للمؤسسة.

من هنا يصبح المستقبل خيارًا لا ظرفًا. إما أن تتحول الجامعات إلى منصات تخصص عميق مرتبطة بالاقتصاد الوطني، أو ستنكمش تحت ضغط سوق لا ينتظر المترددين. الفرق بين المسارين ليس في حجم التمويل، بل في الجرأة المؤسسية: الجرأة على إغلاق ما لا يعمل، حماية ما ينتج، وتعريف القيمة بالأرقام لا بالمجاملات.

وعندما تتجمع هذه الخيوط معًا، يتضح أن ما يجري ليس جدلًا حول بدلات أو بنود. نحن أمام انتقال من منطق الصرف إلى منطق الإنتاج، ومن حماية المواقع إلى حماية القيمة. الجامعات التي تدرك هذا الانتقال ستتجاوز مرحلة الدفاع عن نفسها، وتدخل مرحلة إثبات نفسها في اقتصاد يعيد حساب كل ريال ويعيد تقييم كل مؤسسة. وعند هذه اللحظة فقط يتكشف المعنى الكامل لما نعيشه؛ فالقضية لم تكن يومًا تقشفًا ماليًا عابرًا، بل ما وراء التقشف، ولم تكن المشكلة أرقامًا جامدة، بل صدمة اقتصاد الأثر التي تعيد تعريف الجامعة، أو تعيد تعريفها من الخارج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى