كنت أسمع عن سعيد السريحي بوصفه أديبًا وناقدًا له حضوره الواضح في المشهد الثقافي السعودي، اسمًا يتكرر في الندوات والحوارات، ويُذكر مقرونًا بالجرأة والاتزان معًا. لكنني التقيته وجهًا لوجه في معرض الكتاب، وهناك فقط انتقل من صورةٍ ذهنية إلى إنسانٍ حيٍّ أمامي.
كان المعرض مزدحمًا، والوجوه تتقاطع سريعًا، غير أن وجهه كان هادئًا على نحوٍ لافت. لم يكن يبحث عن تصفيق، ولا يوزّع ابتساماتٍ بروتوكولية. كان يصغي، وهذا ما شدّني إليه قبل أي شيء. يصغي كأن الوقت لا يطارده، وكأن الحوار ليس مناسبة عابرة، بل مسؤولية أخلاقية.
تحدثنا قليلًا، لكنه حديث بقي طويلًا في داخلي. كان في صوته دفء الأب . لم أشعر أنني أمام ناقدٍ يملي رأيًا، بل أمام مثقفٍ يؤمن أن الفكرة تُبنى بالحوار، وأن المعرفة لا تتعالى على أصحابها.
غير أن معرفتي به لم تتوقف عند ذلك اللقاء. عدتُ إليه قارئةً، أتابع صوته في كتاباته، وأتأمل مشروعه الفكري من خلال نصوصه، وكان آخرها كتابه «الحياة خارج الأقواس». هناك أدركت أن الرجل الذي التقيته لم يكن مجرد ناقدٍ حاضر في المشهد، بل صاحب سيرة فكرية تتجاوز حدود الذات لتصبح شهادة جيلٍ عاش تحولات كبرى.
اختار عنوانًا لافتًا، كأنه يعلن منذ البداية رفضه أن يُختزل في توصيفٍ ضيق أو يُحاط بأقواس جاهزة. وفي إهدائه كتب:
«إلى ذكرى أهم جميعًا… وأولئك الذين سيسكنونني»
عبارة تكشف عن إنسان يرى ذاته ممتدة في الآخرين، لا منفصلة عنهم. أما قوله:
«هذه الأوراق كتبت في زمن قد يجيء، وقد لا يجيء…»
فيحمل وعيًا بأن الكتابة ليست لحظة عابرة، بل حوارًا مع زمن قادم، واحتمالًا مفتوحًا للقراءة والتأويل.
ومن خلال هذا الكتاب، لم أقرأ سيرة فرد فحسب، بل قرأت سيرة سؤال؛ سؤال الثقافة، وسؤال الحرية، وسؤال المثقف في علاقته بالمجتمع. وهناك اكتملت صورته في ذهني: ليس فقط الرجل الذي صافحته في معرض كتاب، بل الكاتب الذي ظلّ يفكر بصوتٍ مسموع.
لم تكن مسيرته خالية من المحطات الصعبة، وكان من أبرزها ما ارتبط بقضية الدرجة الأكاديمية. غير أن تلك الحادثة، على ما حملته من جدل، لم تكن هي ما يعرّف الرجل في الذاكرة الثقافية.
رغم أنه لم يُمنح الدرجة العلمية، فقد كان في حضوره وقامته ما يغني عن كل لقب. لم يكن يحتاج إلى شهادة تثبت عمقه، لأن أثره في العقول كان الشهادة الأصدق، ولم يكن اسمه يتقدّم بدرجة أكاديمية بقدر ما يتقدّم بفكرٍ حيّ، وحوارٍ نزيه، وصوتٍ آمن بأن السؤال مسؤولية. لقد برهن أن المعرفة لا تُختزل في وثيقة، وأن المثقف الحقّ يُعرَف بما يتركه من أثر، لا بما يُعلّق قبل اسمه من ألقاب.
في زمنٍ تكثر فيه الأصوات العالية، كان صوته منخفضًا… لكنه واثق. وفي مشهدٍ ثقافي اعتاد الاستقطاب، كان يميل إلى الاتزان. لم يكن حياديًا بمعنى البرود، بل عادلًا بمعنى الإنصاف. يختلف دون أن يخاصم، وينتقد دون أن يُقصي.
رحل سعيد السريحي، لكن ما يبقى ليس فقط اسمه في سجل النقد، ولا كتبه على رفوف المكتبات، بل ذلك الدفء الذي يسكن السؤال، وذلك الحضور الذي يعلّمك — دون أن يرفع صوته — أن الثقافة أخلاق قبل أن تكون معرفة، وأن المثقف الحقيقي لا يُقاس بما يُسبق اسمه من ألقاب، بل بما يتركه من أثر في القلوب والعقول.
رحمه الله،
فقد كان من أولئك الذين يمرّون في حياتنا مرورًا قصيرًا، لكنهم يتركون أثرًا طويلًا… أثرًا يشبه الطمأنينة






