ليست السكينة حالةً طارئة تُكتسب دفعةً واحدة، بل هي مسارٌ طويل تتشكّل ملامحه عبر التجارب وتعيد صياغته السنوات بصمتٍ عميق. منذ الطفولة الأولى، حين كان القلب يميّز الخير من الشر بفطرته قبل أن تعلّمه الحياة تفاصيلهما، بدأتُ أكتشف أن الإحساس الصادق هو أول مرآة يرى الإنسان بها ذاته والعالم من حوله.
في تلك البدايات، كانت المشاعر بسيطة في ظاهرها، لكنها غنية في أثرها؛ كل موقفٍ كان يترك بصمة، وكل لحظةٍ كانت تفتح بابًا لفهمٍ جديد. ومع اقتراب سنّ التمييز، لم يعد الإحساس مجرد انفعالٍ عابر، بل صار بذرة وعيٍ تتسع شيئًا فشيئًا، تعلمتُ من خلالها أن الهدوء ليس ضعفًا، وأن الصمت أحيانًا أصدق من ألف عبارة.
ثم جاءت مرحلة التحوّل إلى إدراك الأنوثة؛ لحظةٌ شعرتُ فيها بأن العالم يُرى بعينين مختلفتين: عينٍ تحفظ الرهافة، وأخرى تبحث عن الاتزان. لم يكن الأمر انتقالًا عمريًا فحسب، بل كان عبورًا نحو فهمٍ أعمق لمعنى الذات، حيث تتلاقى الحساسية مع القوة، ويصبح الوقار لغةً تُفهم دون أن تُقال.
ومع مرور الأعوام، تنوّعت التجارب وتباينت وجوه الحياة؛ بعضها حمل دروسًا صامتة، وبعضها علّمني أن الألم حين يُقرأ بوعيٍ يتحوّل إلى حكمة. لم تكن الرحلة خاليةً من التساؤلات، لكنها كانت دائمًا تقودني إلى مساحةٍ أهدأ، حيث يلتقي الإحساس بالنضج، وتصبح الكلمة أكثر دقة، والمعنى أكثر صفاء.
اليوم، أرى أن السكينة الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان، ولا إلى ضجيجٍ يسبقها؛ فهي أشبه بهيبةٍ داخلية تتجلّى في بساطة النظرة واتزان الخطاب. إنها سكينةٌ ملكية لا تُقاس بالمظاهر، بل بما تمنحه للروح من ثبات، وما تتركه في الحضور من أثرٍ هادئٍ يشبه الضوء حين ينساب دون أن يلفت الانتباه.
ولعلّ أعظم ما تعلّمته أن الصمت — حين يكون ممتلئًا بالوعي — يصبح لغةً فارهة لا تستطيع الأحرف مضاهاتها؛ لغةٌ تُرى في السلوك قبل أن تُكتب، وتُفهم في العمق قبل أن تُنطق. هكذا تتشكّل المعاني عبر العمر، لا لتكون حكايةً تُروى، بل شهادةً على رحلةٍ نضجت فيها الحروف كما نضج المعنى حتى صار السلام الداخلي هو العنوان الأصدق لكل ما مضى.


