لا تُقاس الأمم بقِدم تاريخها فحسب، بل بقدرتها على فهم هذا التاريخ وإعادة قراءته بوعي. وحين نحتفل بيوم التأسيس، فإن السؤال الأهم لا يكون: ماذا نحتفل؟ بل: كيف نفهم ما نحتفل به؟ فالتاريخ، حين يُختزل في التواريخ والمناسبات، يفقد معناه، أما حين يُقرأ في سياقه، فإنه يتحول إلى وعيٍ يصنع الحاضر ويهدي المستقبل.
وفي هذا الإطار، فإن يوم التأسيس يرتبط بحدث تاريخي واضح ومحدد، يتمثل في تولي الإمام محمد بن سعود بن مقرن إمارة الدرعية في أواخر جمادى الآخرة سنة 1139هـ، الموافق 22 فبراير 1727م. ومع توليه الحكم، بدأ مرحلة جديدة من العمل السياسي والإداري، تمثلت في توسيع نطاق الإمارة، وتنشيط التجارة، وتشجيع الهجرة والاستقرار في الدرعية، وضمان الأمن داخلها وفي محيطها. وقد شاركه في ذلك ابنه الإمام عبدالعزيز بن محمد، ثم جاء التعاون مع الشيخ محمد بن عبدالوهاب ليؤسس لتحالف ديني–سياسي، أسفر عن نشوء دولة ذات سلطة ونظام، للمرة الأولى في وسط الجزيرة العربية، امتد نفوذها إلى مناطق عدة، وبدأ الناس يتعرفون عليها بوصفها كيانًا سياسيًا منظمًا، لا مجرد إمارة محلية.
غير أن الحدث التاريخي لا يولد فجأة، ولا يقع بمعزل عن سياقٍ يمهّد له، بل هو نتيجة عوامل تتراكم عبر الزمن. وقبل هذا التحول المفصلي، كانت الدرعية بلدةً نجديةً وادعة في وادي حنيفة، تقوم على الزراعة والتجارة المحلية، وتحيط بها بيئة قبلية متداخلة الولاءات. لم تكن عاصمةً لدولة، ولا مركزًا لسلطةٍ تتجاوز حدودها، بل إمارة محلية يحكمها آل مقرن ضمن مشهد نجدي تتوزعه إمارات متفرقة وتحالفات متغيرة، في ظل غياب سلطة مركزية فاعلة في الداخل. غير أن ما تميزت به كان استقرارًا نسبيًا، وارتباطًا عميقًا بالمكان عمرانًا وزراعةً ونفوذًا اجتماعيًا، وهو ما هيأها لأن تتحول – حين نضجت اللحظة التاريخية – من بلدةٍ مستقرة إلى عاصمة مشروع دولة.
ومن هنا، فإن قيام الدولة السعودية الأولى لم يكن انقطاعًا عن الماضي، بل امتدادًا له. فاستقرار آل سعود، أحفاد مانع المريدي، في الدرعية، يعود إلى القرن التاسع الهجري، حين استقروا في وادي حنيفة، وارتبطوا بالمكان عمرانًا وزراعةً ونفوذًا اجتماعيًا. هذا الاستقرار الطويل أسهم في تهيئة البيئة المناسبة لظهور القيادة، وتشكّل فكرة الدولة، قبل أن تتجسد سياسيًا في القرن الثاني عشر الهجري.
ومن هذا المنظور، لا يُقرأ يوم التأسيس بوصفه استدعاءً للماضي بقدر ما هو إعادة فهم له. فالدرعية لم تكن مجرد عاصمة أولى، بل كانت حاضنة لفكرة الدولة، ونتاج تفاعل بين الجغرافيا والإنسان، وبين الاستقرار الاجتماعي والحاجة إلى التنظيم السياسي. لذلك، جاء التأسيس استجابة لواقع تاريخي، لا مغامرة عابرة، ولا مشروعًا مفروضًا من الخارج.
ويطرح هذا الاحتفاء سؤالًا مشروعًا: لماذا نحتفل بيوم التأسيس اليوم؟ والإجابة تكمن في نضج الوعي التاريخي لدى المجتمع. فكثير من الناس، بل وبعض المثقفين، كانوا يخلطون بين يوم التأسيس واليوم الوطني، أو يجهلون الفارق بينهما. فجاء إفراد يوم خاص للتأسيس ليعيد ترتيب الذاكرة الوطنية، ويميز بين لحظة قيام الدولة الأولى، ولحظة توحيدها الحديثة، في مسار واحد متصل.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل إقرار الاحتفاء بيوم التأسيس عن وعي وحكمة ولاة الأمر، وفي مقدمتهم الملك سلمان بن عبدالعزيز، المعروف باهتمامه العميق بالتاريخ الوطني، وإدراكه لقيمة الذاكرة التاريخية في بناء الوعي الجمعي. فجاء الأمر الملكي بالاحتفال بيوم التأسيس تعبيرًا عن قراءة ناضجة للتاريخ، لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تعيد ترتيبها في الوعي العام، وتمنحها موقعها الصحيح في مسار الدولة. فالملك سلمان رجل تاريخٍ في قراراته، قبل أن يكون شاهدًا عليه.
كما تأتي رعاية الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز للاحتفاء بهذه المناسبة منذ عام 2022م، في إطار مشروع أوسع لإعادة الاعتبار للتاريخ الوطني، وربط الهوية بالجذور، وتعزيز وعي الأجيال بتاريخ دولتهم الممتد، بوصفه مصدر قوة وبناء للمستقبل.
إن يوم التأسيس، حين يُقرأ بهذه الروح، لا يكون مناسبة عابرة، بل محطة وعي، تُذكّر بأن الدولة السعودية قامت على تراكم تاريخي، وبأن فهم هذا التراكم هو الطريق الأصدق لتعميق الانتماء، وبناء المستقبل على أسسٍ راسخة من المعرفة لا الشعارات.





