المقالات

كوكبنا في خطر: بيئة اليوم… حياة الغد

سُعدت بحضور محاضرة قيمة بعنوان (السياسات البيئية) للزميلة الأستاذة مزون الشمراني، عضو هيئة التدريب بمعهد الإدارة العامة؛ وكانت حول السياسات البيئية وأهميتها في تحقيق التنمية المستدامة. وقد تميزت المحاضرة بطرح علمي واضح وأسلوب منهجي مثرٍ، حيث تناولت مفهوم السياسات البيئية وأبعادها التشريعية والتنظيمية ودورها في مواجهة التحديات البيئية المعاصرة. وكنت أتمنى لو تم توجيه الدعوة إلى بعض المسؤولين في المؤسسات ذات العلاقة بالسياسات البيئية لإثراء النقاش وتعميق الحوار من خلال عرض التجارب العملية والتحديات الواقعية التي تواجهها الجهات المعنية، بما يسهم في تعزيز التكامل بين الطرح النظري والتطبيق الميداني. لقد أصبحت المشكلات البيئية قضايا عالمية أخذت اهتمام العديد من المنظمات الدولية، وعقدت من أجلها مؤتمرات وقمم، ووقعت الكثير من الاتفاقيات الدولية التي تهدف إلى الحد من آثار التلوث والتغير المناخي، مثل اتفاقية باريس. كما تبنت العديد من الدول مبادرات وطنية لمعالجة المشكلات البيئية وتشجيع التنمية المستدامة، وتأتي المملكة العربية السعودية في مقدمة هذه الدول، حيث أطلقت رؤية 2030 التي تضمنت برامج طموحة للحفاظ على البيئة، وتعزيز استخدام الطاقة المتجددة، وتقليل الانبعاثات الكربونية. ومن أبرز هذه المبادرات مبادرة السعودية الخضراء التي تهدف إلى زراعة ملايين الأشجار، والحفاظ على التنوع البيولوجي، وتقليل الانبعاثات، وتعزيز ممارسات الاستدامة في القطاعات المختلفة، بما يسهم في رفع مستوى الوعي البيئي لدى المواطنين وتحقيق التنمية المستدامة على المدى الطويل.

تلعب وزارة التعليم دوراً مهماً في تعزيز التوعية البيئية من خلال المدارس والجامعات، حيث يمكن تكثيف التعليم حول قضايا البيئة في المقررات الدراسية المختلفة، وتنظيم الندوات والمحاضرات المتخصصة التي تسلط الضوء على المشكلات البيئية والحلول المستدامة. كما يمكن تصميم برامج تدريبية وتوعوية مبتكرة، خصوصاً مع توفر وسائل التدريب عن بُعد عبر المنصات التعليمية الرقمية، ما يتيح للطلاب والطالبات وكافة فئات المجتمع التعرف على التحديات البيئية والمشاركة الفعّالة في المبادرات البيئية المجتمعية. تُعدّ السياسات البيئية من الركائز الأساسية التي تعتمد عليها الدول في حماية مواردها الطبيعية وضمان استدامتها للأجيال القادمة، خاصة في ظل ما يشهده العالم من تغيرات مناخية وتلوث متزايد واستنزاف للموارد. وتضطلع المؤسسات الحكومية بدور محوري في تنفيذ هذه السياسات على أكمل وجه من خلال سنّ تشريعات واضحة تنظم الأنشطة الصناعية والعمرانية والزراعية بما يحد من آثارها السلبية على البيئة، إلى جانب إنشاء أجهزة رقابية تتابع الالتزام بالمعايير البيئية وتفرض العقوبات على المخالفين. كما يتطلب الأداء الحكومي الفعّال وضع خطط استراتيجية طويلة المدى تدمج البعد البيئي في مختلف برامج التنمية، بحيث يتحقق التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على الموارد الطبيعية، مع دعم مشاريع الطاقة المتجددة وتشجيع الابتكار والاستثمار في البحث العلمي.

ولا يكتمل دور الحكومة دون تكامل الجهود بين مختلف القطاعات، فالقضية البيئية بطبيعتها عابرة للقطاعات وتتطلب تنسيقاً بين التعليم والإعلام والصناعة والطاقة والزراعة وغيرها. كما أن إشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص يعزز من فاعلية السياسات ويجعلها أكثر قابلية للتطبيق. أما توعية المجتمع فتُعد عنصراً أساسياً في إنجاح أي سياسة بيئية، إذ إن القوانين وحدها لا تكفي دون وعي وسلوك مسؤول من الأفراد. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إدماج مفاهيم الاستدامة في المناهج الدراسية، وتنظيم حملات توعوية مستمرة، وتحفيز الأفراد والمؤسسات على تبني ممارسات صديقة للبيئة. وعندما تتكامل الجهود بين الدولة والمجتمع، تتحول السياسات البيئية من نصوص مكتوبة إلى ثقافة راسخة وممارسات يومية تسهم في بناء مستقبل أكثر استدامة وجودة للحياة.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى