المقالات

حين تُضحك الريشة وتُبكي

ليس كل من رفع صوته أقنع الناس،
ولا كل من كتب مقالة أطاح بفكرة،
لكن ريشة صغيرة بيد فنان مبدع قد تفعل ما لا تفعله خطب ولا حيل. … مع فرق بسيط: أن الرسمة لا تحتاج إلى مكبر صوت، بل تحتاج إلى شجاعة.
الكاريكاتير كلمة أصلها إيطالي من “caricare” أي تحميل الشيء فوق طاقته. ويُقال إن بداياته ظهرت في إيطاليا في القرن السادس عشر عند عائلة آل كاراتشي في مدينة بولونيا، حيث كان الرسام يرسم وجهًا بأنف أطول قليلًا… فقط ليقول لك إن الحقيقة أطول مما تبدو.
وفي بريطانيا، ومع رسامين مثل جيمس جيلراي، تحولت الرسمة إلى نقد سياسي مباشر. حتى نابليون بونابرت لم يسلم من سخرية الصحافة البريطانية، ويُقال إنه كان ينزعج من الرسوم القادمة من لندن أكثر من انزعاجه من بعض المعارك، بل ويأمر أحيانًا بمصادرتها قبل دخولها فرنسا. المدفع قد يهدم سورًا… لكن الكاريكاتير يهدم هيبة.
دخل الكاريكاتير إلى الصحافة الحديثة، وصار جزءًا من الصفحة الأولى في عديد من الدول. في أمريكا مثلًا، برز اسم توماس ناست، الذي أثبت أن الريشة قد تصنع رمزًا سياسيًا يعيش مئات السنين. وصار السؤال في غرف التحرير: هل وصل المقال؟ نعم. ولكن أين الكاريكاتير؟ لأن المقال يلامس العقل، وقد يكون على نار هادئة، أما الرسمة فتخاطب العين مباشرة… والله يكفينا شر العيون، وما أدراك ما العيون، خاصة إذا فَرْصَعَت. (فقتلتننا ثم لن يحيين قتلانا)!
وفي عالمنا العربي، برزت أسماء مثل ناجي العلي، الذي جعل “حنظلة” شاهدًا دائمًا على الوجع العربي، ودفع حياته ثمنًا لموقفه. وكذلك علي فرزات، الذي تعرّض للاعتداء بسبب رسوماته. هنا لم تعد الضحكة مجرد ضحكة، بل صارت موقفًا. يعاني منها رسام الكاريكاتير… لكن يعاني منها المقصود بالنقد أكثر.
أما في السعودية، فالكاريكاتير أخذ منحًى مختلفًا؛ هادئ ولكن أكثر ذكاءً. ففي صحفنا المحلية، كان الرسام يمرّر نقده الاجتماعي بعبارة مختصرة وشخصية مرسومة بملامح مألوفة. مثل ربيع و**عبدالسلام الهليل** و**علي الخرجي**، حيث تناولت الريشة قضايا الغلاء، والبيروقراطية، وبعض الظواهر الاجتماعية. كانت الضحكة هنا تمشي بخطوات محسوبة وبإيقاع متناسق ؛ تقول ما تريد… دون أن تقول كل شيء.
والحقيقة أن الكاريكاتير في بيئتنا الخليجية عمومًا كان مدرسة في الإشارة وكأنه يقول وكل لبيب بألإشاره يفهم . كان الرسام، حين يضع ريشته في المحبرة، كأني به يقول: “أنا سأشير إلى الخلل ببساطة … والباقي عليكم.” وهذه مدرسة ذكية، لأن المجتمع أحيانًا يتقبل النصح إذا جاءه في هيئة اشارة عابرة أو بسمة ذات مغزي و غير مباشرة. وهنا أتذكر كاريكاتير للمرحوم علي الخرجي عندما كنت مديراً لجوازات منطقة الرياض ، وأكرمنا الله وزملائي بتطوير العمل وتسهيل الاجراءات. فرسم شابان أحدهما يمسك بيد صديقه ويقول له هيا بنا نتمشي في جوازات الرياض. كم عني لي ذلك الكاريكاتير. فقد كان حزمة مشاعر راقية تعجز عنها مقالات. رحم الله الفنان ذو الموهبة المبدعة في زمن وبعده ندرت فيه مواهب هذا الفن .
. الكاريكتير قد يكون شكلاً أداة ناعمة ولكنها في الكثير من الأحيان هذه الناعمة قد تتماهي مع قول عنترة بن شداد إِنَّ الأَفاعي وَإِن لانَت مَلامِسُها
عِندَ التَقَلُّبِ في أَنيابِها العَطَبُ
ففي عام 2005 نشرت صحيفة يولاندس بوستن رسومًا أشعلت احتجاجات وأزمات دبلوماسية واسعة في مختلف أرجاء العالم. ونال رسامها جزاؤه عندما كان مسافرًا عام 2021م في سيارة تابعة للشرطة اصطدمت بشاحنة قرب منطقة ماركاريد جنوبي السويد وقتل شرطيان في الحادث ولم تحمه الشرطة ولا من تشدد له من ذلك الحادث . وهنا يحضر المثل العربي الشهير من مأمنه يُؤتي الحَذِرُ. .. فمن تبعات ذلك الكاركتير وغيره أدرك العالم أن رسمة صغيرة قد تُربك عواصم بأكملها وتثير عواطف وتصنع أحداثاً .
النقاد والكتاب في الصحف لهم مكانتهم وتأثيرهم. فمقال من الوزن الثقيل يثير ضجة قد لا تهدأ سريعاً ولكن يمكن الرد عليه بمقال،
أما الكاريكاتير فلا يُرد عليه إلا ربما بإبتسامة باردة … أو قرار رمادي متكلّف. الكاركتير يختصر المسافات والترجمات فغالباً لا لغة له , إنه الصامت المتكلم. فالحر تكفيه الإشارة. هل تواري الكاريكاتير أو أندثر ؟!قد يكون لكنه كان ملحمة نقد فريدة أمطرت حين أجدبت الكلمات والمواقف المترددة. الآن ومع الذكاء الاصطناعي الذي لا شك له فوائد كثيرة ولكن قد تكون فوائد قوم عند قوم مصائب. فهناك إنتاج عشوائي للكاريكاتير بالذكاء الاصطناعي نعم يُضحِك. ولكن أين هذا من ذاك. فلا ضابط ولا رابط فالدرعا ترعي وعلي قول إخواننا السوريين كل مين إيدو إلو.
في النهاية، الكاريكاتير ليس مجرد أشخاص لا حس ولا خبر كما البعض يراها ولكنها كانت المبتدأ والعلم والخبر ، و سهام دقيقة لكشف الحقيقة. الكاريكاتير فن يختصر تقريرًا طويلًا في مشهد واحد، ويضع المجتمع أمام مرآة لا تجامل.
الريشة قد تُضحك القارئ ساخراً ولكنها تُبكي المسؤول المعني بالسخرية فليس له منها مهرب ؤأني له حينذاك من قول جرير :
زَعَمَ الفَرَزدَقُ أَن سَيَقتُلُ مَربَعاً
أَبشِر بِطولِ سَلامَةٍ يا مَربَعُ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى