المقالات

مكة المكرمة… أرضٌ بها البيت المحرّم قبلة

مكة أطهر بقاع الأرض وأشرفها؛ مدينة استثنائية تجمع بين قدسية الماضي وعراقة التراث، قبلة للمسلمين أينما كانوا، تجمع قلوبهم شوقًا بين طيات تاريخها العريق ومستقبلها المشرق. وصدق الشاعر حين قال:

أرضٌ بها البيتُ المحرّمُ قبلةٌ…

للعالمين لها المساجدُ تعدلُ

وبها المشاعرُ والمناسكُ كلّها…

وإلى فضيلتها البريةُ ترحلُ

وبها المقامُ وحوضُ زمزمَ مشرعًا…

والحجرُ والركنُ الذي لا يرحلُ

إنها واحة إيمان تتجدد في كل وقت ومكان، جميلةٌ بكل تفاصيلها ماضيًا وحاضرًا، غير أن لماضيها نكهةً مميزة عنوانها الألفة والمحبة والتراحم والمسؤولية.

كان الترابط داخل الأسرة المكية قويًا جدًا، بل كان الترابط يمتد إلى مستوى الحي والشارع؛ ففي الأفراح والمآتم يقف أهل الحي وقفة صدق مع صاحب المناسبة، فيكفونه الطبخ والخدمة والترحيب والرفد وسائر الأمور، حتى ليكاد يكون مدعوًا لا داعيًا!

وأكثر من ذلك، كان الجميع يشعر بمسؤوليته تجاه الجميع؛ فحين كان يغيب بعض المطوفين أشهرًا عن مكة وهو يطوف ببلدان حجاجه في مشارق الأرض ومغاربها، كان جيرانه يقومون لأهله مقام عائلهم، يقضون حوائجهم، ويشترون طعامهم، ويسألون عن حالهم.

وحين يقف الجار على سلوك خاطئ لابن جاره، كان يباشر تعليمه وتأديبه وكأنه ولده، لا يتردد في ذلك، والابن نفسه يعلم أن كل كبير في الحي هو بمثابة والده، فيحترم الجميع ويصغي لتوجيهاتهم.

ومعظم الأسر المكية قديمًا كانت تأخذ أبناءها بالعمل وتعلمهم الحرفة منذ سن مبكرة، شعارها في ذلك المثل المكي الشهير: «صنعة أبوك لا يغلبوك».

ولذلك كان الأبناء في ذلك الزمن الجميل يتربون على تحمّل المسؤولية ومباشرة الأعمال ودخول معترك الحياة. وما زلت أذكر أنني في صباي — وأنا ابن التاسعة — كنت أجلس بعد صلاة الفجر على جرة الفول في محل والدي — رحمه الله — بشارع إبراهيم الخليل بالمسفلة، حتى إذا حان وقت الدراسة أخذت حقيبتي وانصرفت للمدرسة، وفي موسم الحج كان الجميع يشاركون في شرف خدمة ضيوف الرحمن.

لم يكن هذا العمل صارفًا عن التعليم، بل كان جيل الآباء — رغم أميته في معظمه — أحرص ما يكون على تعليم جيل الأبناء؛ فارتادوا المدارس، وتفوقوا، وجالسوا العلماء في حلقات الحرم الشريف، وأخذوا عن الكبار، وحازوا أعلى الشهادات، ومع ذلك باشروا عمل السوق، وتدرّبوا على المهن، وأتقنوا حرفة آبائهم وأجدادهم، واستقلوا بمصاريفهم وهم ما زالوا على مقاعد الدراسة.

ولأجل هذا التوارث في حمل المسؤولية حملت الأسر المكية ألقابًا تدل على مهنتها وعملها، كالصباغ، والبيطار، والصيرفي، والنجار، والعطار، والقماش، والبنا، والحجار… إلخ.

إن مكة المكرمة — كما أسلفت — جميلة بحاضرها وماضيها، غير أن كثيرًا من هذه القيم الرفيعة بدأنا نفتقده للأسف؛ ضعف التواصل، وقلّ التكافل، وخفّ الإحساس بالمسؤولية لدى الأجيال الجديدة، نتيجة الإدمان الرقمي والتقني، مما خلق نوعًا من «العزلة الاجتماعية» داخل المنزل الواحد والحي الواحد. وقد أدى انشغال الأفراد بالأجهزة الإلكترونية إلى تراجع الحوار المباشر، وزيادة الفجوة بين الآباء والأبناء.

وكلنا أمل أن تعود الأمور إلى خيرٍ مما كانت عليه في السابق.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى